للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٥٦] علي بن محمد بن علي بن هذيل، الإمام أبو الحسن البلنسي (١)

المقرئ، الزاهد، المقرّ بفضله له الخصم، فلا يحتاج إلى شاهد، المتفرد كأنه سهيل، والمراد به عصر أبي ذؤيب في هذيل، والتائه به الغرب على الشرق إذا جاء بابن هذيله العلاف، ليماثله، أو أقبل بجدله، وأكثره الباطل على هذا في الحق؛ ليجادله.

لازم أبا داود سليمان بن أبي القاسم مدة سنين بدانية وبلنسية، ونشأ في حجره؛ لأنه كان زوج أمه، فقرأ عليه القراءات، وسمع عليه شيئًا كثيرًا، وهو أجل أصحابه وأثبتهم، وصارت إليه أصوله العتيقة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء في زمانه.

قال الأبار: كان منقطع القرين في الفضل، والدين، الورع، والزهد، والتواضع، والإعراض عن الدنيا، والتقلل، صوامًا، قوامًا، كثير الصدقة، كانت له ضيعة يخرج لتفقدها، فتصحبه الطلبة، فمن قارئ، وسامع، وهو منشرح لذلك، طويل الاحتمال على فرط ملازمتهم ليلًا ونهارًا، وعُمِّر، وهو آخر من حدّث عن أبي داود، وانتهت إليه رئاسة الإقراء عامة عمره؛ لعلو رتبته وإمامته في الاتقان والتجويد. وحدث عن جلة لا يحصون، وروى العلم نحوًا من ستين سنة.

ولد سنة سبعين وأربعمائة، أو سنة إحدى وسبعين.

وتوفي يوم الخميس سابع عشر رجب سنة أربع وستين وخمسمائة، فحضره السلطان أبو الحجاج يوسف بن سعد، وتزاحم الناس على نعشه، ورثاه ابن واجب بقوله: [من البسيط]

لَمْ أَنْسَ يَوْمَ تَهَادَى نَعْشَهُ أَسَفًا … أَيْدِي الوَرَى وَتَرَامِيْها عَلَى الكَفَنِ

كَزَهْرَةٍ تَتَهَادَاهَا الأَكُفُّ فَلَا … تُقِيمُ فِي رَاحَةٍ إِلَّا عَلَى ظَعَنِ

قال الأبار: قال لنا محمد بن أحمد بن سلمون: هذا صحيح. كان الناس يتعلقون بالنطق والسُّقُف؛ ليدركوا النعش بأيديهم، ثم يمسحون بها على وجوههم، وكان يتصدق على الأرامل واليتامى، فقالت له زوجته: إنك لتسعى بهذا في فقر أولادك، فقال لها: لا والله إلا أنا شيخ طماع أسعى في غناهم.

ومنهم:


(١) ترجمته في الذيل والتكملة ٥/ ١/ ٣٦٩، التكملة لابن الأبار ٣/ ٢٠١، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٢٠، الفهرست لابن خير ٤٢٨، غاية النهاية ١/ ٥٧٣، معرفة القراء الكبار ٢/ ٥١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>