وقد أثنى عليه عبد القادر، وقال: تعذَّر وجود مثله في أعصار كثيرة وأربى على أهل زمانه في كثرة السماعات مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتب، فما كان يكتب شيئًا إلا معربًا منقوطًا، وبرع على الحفاظ. جاءته فتوى في أمر عثمان بن عفان ﵁ فكتب فيها من حفظه - ونحن جلوس - درجًا طويلًا.
وله التصانيف في الحديث والزهد والرقائق وصنّف «زاد المسافر» في خمسين مجلدًا، وصنف في القراءات العشر، والوقف والابتداء، والتجويد، ومعرفة القراء وأخبارهم، وهو كبير.
وكان إمامًا في النحو واللغة. سمعتُ: أنه حفظ كتاب «الجمهرة»، وكان من أبناء التجار، فأنفق جميع ما ورثه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرات ماشيًا، وكان يحمل كتبه على ظهره، قال لي: كنت أبيت في بغداد في المساجد، وآكل خبز الدخل. إلى أن قال عبد القادر: ثم عظم شأنه حتى كان يمر بالبلد، فلا يبقى أحد رآه إلا قام، ودعا له حتى الصبيان، واليهود.
وكان يُقرئ نصف نهاره القرآن والعلم، ونصفه الآخر الحديث، وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا، ولا يمس جزء الحديث إلا على وضوء.
توفي في تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٥] عبد الله بن منصور بن عمران بن ربيعة (١)
الأستاذ أبو بكر الربعي الواسطي المعروف بابن الباقلاني.
مسند القراء بالعراق، ومورد الضماء ما راق، كم راد منتجع ربيعه ورام مثله فلم يكن إلا من ربيعة. عرف بابن الباقلاني؛ لأنه من خليطي المسك والكافور مصوّر،
(١) ترجمته في: الكامل في التاريخ ١٢/ ١٣٠، وتاريخ دمشق ط دار الفكر ٣٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧ رقم ٣٥٨٧، ومرآة الزمان ج ٨ ق ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤، والتكملة لوفيات النقلة ٢/ ٧٦ - ٧٨ رقم ٣٨١، وذيل الروضتين ١٢، والتقييد لابن نقطة ٣٢٧ - ٣٢٨ رقم ٣٩٤، وذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي ١٥/ ٢٢٥، ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٤/ ٨١ رقم ٣٥، والمختصر المحتاج إليه ٢/ ١٧٢ - =