للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[مَشَاهِيرُ الْقُرَّاءِ]

ومن أعلام القراء: وبدأنا بالقراء، لشرف القرآن العظيم، ولما تضمنه من الآيات والذكر الحكيم؛ وإذ لا ترى إلَّا حائِمًا على معينه، وهائمًا به، وما رأى أعين عينه، ومغرى شغفًا به بسبب تنزيله، ومغرمًا كلفًا بطلب تأويله، ومحتجًا به لحقه، وآخر - وحاشاه - لأباطيله.

هذا وما رابهم من ليلى الغداة سفوْرُها، ولا راعهم وراء الحجب ستورها، بل أضحت لهم سافرة القناع، بارزة على يفاع، وضوح معنى، ونزوح مغنى. تستنبط منه هذه الأمة على اختلاف فرقها، وتستسِل منه الأدلة أجنحة طرقها، لا تجد إلا من يردّ حياضه المتاقة، أو يجمع به ضواله المتفرقة، ويصل أعضاءه الموزعة، وأشلاءه الممزقة، حتى فرق الخلاف للفرار من الاختلاف، لا ترى إلَّا من يدلي منه بدليل، ويصحح قوله الممرض منه بتعليل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (١) ولا يزالون مختلفين إِلَّا من رحم ربك، وهذا القول، وحسبك: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢).

واعلم أن بشرف القرآن العظيم شرف أهله، وتقدمهم تبع لفضله، وهم حملته البررة ونقلته، وصدورهم له صحف مطهرة وإذ هم حفظته، هم به محفوظون. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، وقال رسول الله : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤)، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٥) فجعلهم منه. هذا إلى ما لا يحصى مما جاء فيهم، وورد في فضلهم. وها نحن نذكر مشاهير قراء المشرق حتى نتبع الأموات بالأحياء، ثم نتبعه بمثله في مشاهير قراء المغرب، وبدأنا بأبي ابن كعب؛ لأن منه زخر عباب هذا البحر الخضم، وإلى كنف الأخذ عنه أكثر القراء انضم.


(١) سورة الزمر: الآية ٦٠.
(٢) سورة الزمر: الآية ٦٤.
(٣) سورة الحجر: الآية ٩.
(٤) صحيح البخاري ١١٠٨ رقم ٥٠٢٧.
(٥) صحيح البخاري ١٥٨١ رقم ٧٥٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>