قطع الدنيا زهدًا، وعاش في الأنام فردًا، ما وقعت العيون على صفاته الممثلة، ولا رأت في كل داراني مثل قطوفه المهدلة، ولا أتى عنقود الثريا منه بحبة ومما استعان بالسنبلة، ولا ادعت جنى كرمه الكرام، ولا طمعت في رشف ريقته الآثام، ولا سمعت له قهقهة إبريق؛ لأن الداراني لا يقصر منه المدام.
قرأ القرآن بالروايات على طائفة منهم: ابن الأخرم، وسمع من جماعة، وقرأ عليه آخرون.
قال رشأ بن نظيف: لم ألق مثله حذقًا، وإتقانًا في رواية ابن عامر.
وقال عبد المنعم بن النحوي: خرج القاضي أبو محمد العلوي، وجماعة من الشيوخ إلى داريا إلى ابن داود، فأخذوه ليؤم بجامع دمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وجاؤوا به بعد منعهم أهل داريا، وتنافسوا.
قال الحافظ ابن عساكر: سمعتُ ابن الأكفاني يحكي عن بعض مشايخه: أنَّ أبا الحسن بن داود كان إمام داريا، فمات إمام الجامع، فخرج أهل البلد إلى داريا؛ ليأتوا به، فلبس أهل داريا السلاح، وقالوا: لا نمكنكم من أخذ إمامنا، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر: يا أهل داريا ألا ترضون أن يُسمع في البلاد، أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام، فقالوا: قد رضينا فقدمت له بغلة القاضي فأبى وركب حماره، ودخل معهم، فسكن في المنارة الشرقية، وكان يُقرئ بشرقي الرواق الأوسط، ولا يأخذ على الإمامة رزقًا، ولا يقبل ممن يقرأ عليه برًا، ويقتات من غَلَّة أرض له بداريا، ويحمل ما يكفيه من الحنطة، ويخرج بنفسه إلى الطاحون، فيطحنه، ثم يعجنه، ويخبزه.
وانتهت إليه الرئاسة في قراءة الشاميين، ومضى على سداد، وكان يذهب مذهب أبي الحسن الأشعري.
وتوفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين.
ومنهم:
[٣٧] علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسين بن الحمامي البغدادي (١)
مقرئ العراق، ومسند الآفاق، وصدر قراء دار الخلافة بالاستحقاق، وشمس
(١) ترجمته في: تاريخ بغداد ١١/ ٣٢٩ - ٣٣٠، والإكمال لابن ماكولا ٣/ ٢٨٩، والأنساب ٤/ =