للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مشاهير القراء في الجانب الشرقي

وهيهات بتجنب الطيبات من الرزق طول طيب الحياة: [من الكامل]

وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا … أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لَا تَنْفَعُ

ولد سنة ثمان وستين، وسمع الكثير بعد الثمانين، واعتنى بالقراءات سنة تسعين، وبعدها، وحجّ غير مرّة، وانتقل إلى مصر سنة سبعمائة، وجلس في حانوت تاجرًا، ثم أقبل على العربية فأحكمها، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدّر الإقراء القراءات والنحو، وقصده القراء والمشتغلون، وظهرت فضائله وبهرت معارفه، وبَعْدَ صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام «الحمير لتركبوها» وبابه، ورآه واسعًا في العربية والتزم إخراجه من القصيد، وصمّم على ذلك مع اعترافه بأنه لم يقرأ به، وقال: أنا قد اذن إن أقرأ بما في القصيد، وهذا يخرج منها، فقام عليه التونسي وابن الزملكاني وغيرهما فطلبه قاضي القضاة ابن صصري بحضورهم وراجعوه وناظروه فلم يرجع فمنعه الحاكم المذكور من الإقراء به وأمره بمراجعة الجمهور فتألم وانقطع في بيته، وامتنع من الإقراء جملةً، ثم إنه استخار الله - تعالى - واستأذن الحاكم في الإقراء بجامع دمشق فأذن له، وجلس للإفادة، وازدحم عليه الطلبة، وأخذوا عنه القراءات والعربية، وكان له ملك يقوم بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهمًا ولا طلب جهة مع كمال أهليته.

ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، ثم تركها وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام، وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.

وهذا آخر من كان يُعَدُّ في فنه واحدًا في الزمان، وفردًا لا يُلز بثان، فلما قرَّ القبر بإيابه، ونفضت الأيدي من ترابه، تساوت بعده الأنظار، وتواست لواحد في عدم الإقرار، على أن في الأيام منهم شموسًا لوامع، وفي الليالي بدورًا طوالع، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفرّدًا به واحد، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد، بل ما في جله الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تمامًا لحلية من غير نقيصة، ومشاركة في عموم معارفه لا خصيصة؛ قلّما مَنْ تمَّحض للقراءات. فما منهم رأس ارتفع، ولا واحد عليه يجتمع، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال، وقدّم له النعش للارتحال كما زعم الأول وقال: [من السريع]

تَسَاوَتِ النَّاسُ وَمَاتَ الكَمَال

تغمده الله بالرضوان، وآنسه بالقرآن، فبموته خُتم قُرَّاء الجانب الشرقي، وتظلم لحظه الشقي.

* * *

<<  <  ج: ص:  >  >>