في نفسه صالحًا دينًا، متبحرًا في هذا الشأن، لكنه كان يحط على ابن مجاهد، ويقول: هذا العطشي لم تغبر قدماه في طلب العلم - يعني أنه لم يرحل من بغداد - وليس الأمر كذلك قد حجّ، وقرأ على قنبل، ولكن أين هو من سعة رحلة ابن شنبوذ، ولقيه الأعيان في الأقطار، وكان ابن شنبوذ إذا تاه رجل من القراء قال: هل قرأت على ابن مجاهد فإن قال: نعم، لم يقرئه.
قال أبو عمرو الداني: حدثت عن إسماعيل بن عبد الله الأشعري، حدثنا أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري، قال: حضرت مجلس الوزير أبي علي بن مقلة - وزير الراضي - وقد أحضر ابن شنبوذ، وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنه يقرأ بها، وهي شواذ، فاعترف منها بما عُرف مما عمل به محضر بحضرة أبي علي بن مقلة، وأبي بكر بن مجاهد ومحمد بن موسى الهاشمي، وأبي أيوب محمد بن أحمد وهما يومئذ شاهدان مقبولان.
[نسخة المحضر]
سُئل محمد بن أحمد بن أيوب - المعروف بابن شنبوذ - عما حكي عنه أنه يقرأه وهو «فامضوا إلى ذكر الله» فاعترف به وعن «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» فاعترف به، وعن «كل سفينة صالحة غصبًا» فاعترف به، وعن «فاليوم ننجيك ببدنك» فاعترف به، وعن «تبت يدا أبي لهب وقد تب» فاعترف به، وعن «فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كان يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين» فاعترف به، وعن «والذكر والأنثى» فاعترف به، وعن «فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزامًا» وعن «ينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم أولئك هم المفلحون» وعن «وفساد عريض» فاعترف بذلك.
وفيه اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي، وكتب ابن مجاهد بيده يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة».
ونقل ابن الجوزي - وغير واحدٍ - في حوادث سنة ثلاث هذه أن ابن شنبوذ أحضر، وأحضر عمر بن محمد بن يوسف القاضي، وابن مجاهد، وجماعة من القراء، ونوظر، فاغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وأنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضربه سبع درر، وهو يدعو على الوزير بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنيعًا، وتوبوه عن التلاوة بها غصبًا.