للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صلاة، فقدموا اليزيدي، فارتج عليه في الحمد؛ فلما سلّم قال: [من الكامل]

اخْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَقُولَنَّ فَتُبْتَلَى … إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ

وعن الفراء، قال: ناظرت الكسائي يومًا، وزدت فكأني كنت طائرًا أشرب من بحر. قال: وإنما تعلّم النحو على كبر؛ لأنه جاء إلى قوم، وقد أعيَا، فقال: قد عييتُ، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن؟ قال: كيف لحنتُ؟، قالوا له: إن كنت أردت من التعب، فقل أعْييت، وإن أردت انقطاع الحيلة والحيرة في الأمر فقل: عَيِيت، فأنف من ذلك، وقام من فوره، فسأل عمن يعلم النحو فدُلَّ على معاذ الفراء، فلزمه، ثم خرج إلى البصرة، فلقي الخليل، ثم خرج إلى بادية الحجاز.

قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو، فهو عيال على الكسائي.

وقال الفراء: لقيت الكسائي يومًا، فرأيته كالبّاكي، فقلتُ: ما يبكيك؟، فقال: هذا الملك يحيى بن خالد يَحضُرُني، فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب، لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل، فقلت: يا أبا الحسن من يعترض عليك؟ قل ما شئتَ، فأنت الكسائي؟، فأخذ لسانه بيده، وقال: قطعه الله إذا إن قلتُ ما لا أعلم.

وروى نصير بن يوسف، قال: دخلت على الكسائي في مرض موته، فأنشأ يقول: [من الكامل]

قَدْرُ أَحْلَلَكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْأَرَى … وَأَبِي وَمَالِكٍ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ

إِلَّا كِدَارِكُمُ بَدِيَ بِقَرِ اللَّوَى … هَيْهَاتَ ذُو بَقَرٍ مِنَ المَرْدَارِ

فقلتُ: كلاّ، ويمتّع الله الجميع بك. فقال: لئن قلت ذلك، لقد كنتُ أقرئ الناس في مسجد دمشق، فأغفيت في المحراب، فرأيت النبي داخلًا من باب المسجد، فقام إليه رجل، فقال: بحرف من تقرأ؟ فأومأ إليَّ.

وقال أبو سعيد السيرافي: - رثى يحيى اليزيدي محمد بن الحسن والكسائي وكانا خرجا مع الرشيد فماتا في الطريق فقال: [من الطويل]

تَصَرَّمَتِ الدُّنْيَا فَلَيْسَ خُلُودُ … وَمَا قَدْ تَرَى مِنْ بَهْجَةٍ فَبَنِيْدُ

لِكُلِّ امْرِئٍ كَأْسٌ مِنَ الْمَوْتِ مُتْرَعٌ … وَمَا إِنْ لَنَا إِلَّا عَلَيْهِ وُرُودُ

أَلَمْ تَرَ شَيْبًا شَامِلًا وَيُنْذِرُ الْبِلَى … وَأَنَّ الشَّبَابَ الغَضَّ لَيْسَ يَعُودُ

سَيَأْتِيكَ مَا أَفْنَى الْقُرُونَ الَّتِي مَضَتْ … فَكُنْ مُسْتَعِدًّا فَالْفَنَاءُ عَتِيدُ

أَسَيْتُ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ مُحَمَّدٍ … فَأَذْرَيْتُ دَمْعِي وَالْفُؤَادُ عَمِيدُ

وَقُلْتُ: إِذَا مَا الْخَطْبُ أَشْكَلَ مِنْ لَنَا … بِإِيضَاحِهِ يَوْمًا وَأَنْتَ فَقِيدُ

<<  <  ج: ص:  >  >>