للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بيت الخلافة جده، ولازم تأديب الأمين بن الرشيد حتى أُوتي رُشده، وأغدقت عليه أم جعفر المواهب، وأُغصت بالعطايا إليه حُلق المذاهب، وأصبح بانضمامه إلى جناح ابنها يَحلِق حيث تُقصَّف القوادم، وتُقصر لوامع البروق في الليالي العواتم، وعزَّت إفاداته، حتى عُدَّت للقعود للطلبة أوقاته.

وكان لا يجلس إلا مجلسًا عامًا، وينصب له كرسي يصعده، ويقرأ، وذو التحصيل يصغي إلى ما يقرأ به ويقيده، إذ كان زمانه لا يسع إشغال كل واحد بمفرده ولا قوله بلسانه وتقييده بيده.

ولد في حدود سنة عشرين ومائة، وسمع من جماعة وقرأ القرآن، وجوده على حمزة الزيات، وعيسى بن الهمذاني، وزائدة.

ونقل أبو عمرو الداني، وغيره: أنَّ الكسائي قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضًا، واختار لنفسه قراءة، ورحل إلى البصرة، فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وأخذ الحروف أيضًا عن أبي بكر بن عياش وغيره، وخرج إلى البوادي، فغاب مدة طويلة، وكتب الكثير من اللغات والغريب عن الأعراب بنجد وتهامة، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبر.

وقرأ عليه أبو عمرو الدوري، وأبو الحارث الليث، وخلق سواهم، وانتهت إليه الإمامة في القراءة [و] العربية.

قال ابن معين: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي.

وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: كان الكسائي يتخيَّر القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض، وترك بعضًا، وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته.

ولم يجالس أحدًا كان أضبط ولا أقوم بها منه.

وقال خلف: قرأ الكسائي على حمزة القرآن أربع مرات.

وقال أبو بكر بن الأنباري: اجتمعتُ في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه حتى لا يَضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم، ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون، ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ.

وكان في الكسائي تيه وحشمة ١؛ لما نال من الرئاسة بإقراء محمد الأمين - ولد الرشيد - وتأديبه أيضًا للرشيد، فنال ما لم ينله أحد من الجاه، والمال، والإكرام، وحصل له رئاسة العلم والدنيا.

<<  <  ج: ص:  >  >>