للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشريف (١): «لا يكون الحيوان والنبات أبدا، إلا حيث تكون المياه والرطوبات».

وقال البكري (٢): «وركب الله على الأرض جرم الشمس. لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من دَرَج فلك البروج. فلذلك اختلفت حركة الشمس. فمحا مِزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، فكان الجزء المعمور في الناحية الشمالية. إذ كان كل حيوان، بطبعه، أحمل للبرد منه للحرّ. ألا ترى أنه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يُحصى كثرة، وكذلك من النبات؛ ولا يكون في النار منه شيء، إلا الشاذ النادر، إن صح ذلك فيه. كما زعموا أنه يتكوّن في أفران الزجاجين ضرب من سام أبرص، وقد سماه أرسطو بالسُّرْفُوت وهي حُمْر الألوان، إذا خرجت عن النار، هلكت.

فوجب لهذه العلة أن يكون اسم الأقاليم السبعة وتحديدها في الجزء الشمالي من الأرض، كما ترى في لوح الدائرة (٣).

وقد ذكر صاحب جغرافية أنّ جملة المعمورة أربعة آلاف ميل وخمسمائة ميل وثلاثون ميلًا. وهذا أزيد مما حرّره الشيرازي بخمسمائة ميل وثلاثين ميلًا. ولعلّ هذه الزيادة هي بمعمور ما هو وراء خط الاستواء في القسم الشرقي؛ وما هو خارج الإقليم السابع مار معه. فإنَّ الشيرازي، والله أعلم، لم يحرّر إلا معمور الأقاليم السبعة خاصةً، وصاحب جغرافية ذكر المعمور كله. فكان هذا التفاوت كله.

قلت: ولا أدعي أن ما هو خارج عن الإقليم السابع متوغل في الشمال، خارج خروجا مباينا كلّيًّا. ولكنه خروج مماس مجاورٌ، حُكمُه حُكم ما هو على الخط. إذ لو كان خروجا مباينا، لكان إقليما ثامنا، وليس كذلك. إذ لا يمكن وجود نبات ولا حيوان لإفراط البرد والجمود، كما لا يمكن لإفراط الحر والينس.

والحكماء تشبه الأرض بجسدِ آدمي: التراب لحمه، والمياه دمه، والحجارة عظمه، والرياح أنفاسه، والبخاراتُ فَضَلاتُه؛ رأسه الصين، ووجهه الهند، وجيده ما وراء النهر، وصدره خراسان وما يليها، وقلبه العراق، ويداه الجنوب والشمال، وبطنه الشام، وسُرَّتُهُ جزيرة العرب، وعجزاه مصر والقسطنطينية، وفخذاه إفريقية ورومية،


(١) نزهة المشتاق ١/ ٨.
(٢) المسالك والممالك ١/ ١٨٨.
(٣) لوح الدائرة هو الخريطة الجامعة التي تسميها الآن ما بموند تعريبًا للفظة فرنسية Mappemonde (زكي).

<<  <  ج: ص:  >  >>