للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قلنا: هذا ليس بدليل على ما ادعيتموه مسألة الخلاف؛ لأن الخلاف في الاستثناء في الأعداد هل يكون بالأكثر أم لا، وهذا استثناء بالصفات وهو في الحقيقة تخصيص، وذلك لا يعتبر فيه بالعدد ولا بالكثرة والقلة؛ لأن الغرض إخراج من وُجدت فيه تلك الصفة سواء كثروا أو قلوا، وفرق بين الموضعين، ألا ترى أن الاستثناء بالعدد من شرطه أن يكون معلوماً والاستثناء بالصفات لا يفتقر إلى ذلك، بل يكون مجهولاً، وكذلك الاستثناء بالعدد لا يجوز فيه إخراج الكل، وبالصفة يجوز إخراج الكل، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقول: [أقتل] (١) العشرة الذين في الدار إلا عشرة، ويجوز أن يقول: أقتل من في الدار إلا بني تميم، وإلا الأبيض، فيكون كل من في الدار بنو تميم فلا يجوز له قتلهم، وكذلك إن كانوا كلهم بيضاً.

الثاني: أن هذا/ استثناء منقطع يمنع، لكن من اتبعك من الغاوين، ولكن عبادك المخلصين فإني لا أغويهم، وليس خلافنا فيه.

الثالث: أنه لو أريد به الاستثناء لم يدل على أن أحدهما أكثر، ويجوز أن يكون العباد المخلصون والغاوون سواء، ثم لئن ثبت أن أحدهما أكثر لم يكن قد استثنى إلا الأقل في الموضعين؛ لأن إبليس قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٢) أراد ولد آدم، ولهذا قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٣)، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *﴾ (٤)، وهم الأقل، ولهذا قيده بـ «منهم»، ووصفهم بالعباد المخلصين، ولم يقل: إلا عبادك، ويُطلِق؛ فدل على أنهم الأقل.


(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (قتل)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) ص: ٨٢.
(٣) الإسرَاء: ٦٢.
(٤) ص: ٨٣.

<<  <   >  >>