فأراد به الشك في الصحو، وكذلك من قال: إنه يعد ثلاثين أراد به: يعد رمضان ثلاثين، ومن صام كان في الغيم، فيدل على قولنا.
فإن قيل: فليس فيما ذكرتم عن الصحابة دلالةٌ على أنهم كانوا يصومون ذلك من رمضان، ويجوز أنهم كانوا يصومون ذلك/ على أنه [تطوعٌ](١)، وهذا هو الظاهر، فإنهم قالوا: لأن نصوم يوماً من شعبان، فأثبتوه من شعبان، وما كان من شعبان فإنه يصام تطوعاً.
قلنا: لا يصح هذا؛ لأن ابن عمر كان يفرق بين الصحو والغيم، فيصوم في الغيم، ويفطر في الصحو، ومن يجيز صومه تطوعاً من أصحاب أبي حنيفة لا يفرق بين الصحو والغيم (٢)، فعلم أن صومه كان عن رمضان، ولأن ظاهر كلامه أنهم قصدوا الاحتياط بصيامه خوفاً أن يكون من رمضان، وهذا المعنى لا يحصل لهم بنية النفل؛ لأن المتنفل في رمضان كالمفطر فيه، وإنما يحصل الاحتياط بنية من رمضان.
فإن قيل: فنتأوَّل ما رويتم عن الصحابة على وجهٍ، وهو أن من صام منهم وأمر بذلك إذا شهد بالرؤية شاهدٌ واحد، وقد روي ذلك مسنداً عن فاطمة بنت الحسين (٣): أن رجلاً شهد عند علي بن أبي طالب برؤية هلال شهر رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا، وقال: أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان (٤).
قلنا: لا يصح هذا التأويل؛ لأنه إذا شُهِد برؤية واحدٌ خرج عن أن يكون يوماً من شعبان، وحصل يوماً من رمضان يصومه الناس أجمع، وفيما ذكرنا عن جماعة الصحابة أنهم قالوا: لأنْ نصوم يوماً من شعبان،
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (تطوعاً)، وما أثبته هو الصحيح لغة. (٢) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ٧٨، العناية ٢/ ٣١٤. (٣) فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمية، المدنية، زوج الحسن بن الحسن بن علي، ثقة، توفيت بعد المئة. [ينظر: التقريب ص ٧٥١]. (٤) تقدم تخريجه.