«هل صمت من سِرار هذا الشهر شيئاً؟» قال: لا، قال:«فإذا أفطرت رمضان فصم يومين»(١)، قال الكسائي وغيره: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال، قال أبو عبيد: فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين إذا تمّ الشهر، قال: وإنما سأله عن سرار شعبان، فأمره أن يقضي بعد الفطر يومين، ولا وجه لهذا الحديث إلا ما ذهبنا إليه، وهو إذا غمَّ الهلال في آخر شعبان، فإنه يجب صومه من رمضان، فلما لم يصمه أمره بقضاء ذلك اليوم (٢).
فإن قيل: بل له وجهٌ غير ما ذهبتم إليه، وهو أنه كان قد نذر ذلك الرجل الصوم في ذلك الوقت،/ أو كان قد ألزم نفسه تطوعاً، فلما فاته أمره بقضائه.
قلنا: لا يصح حمله على التطوع؛ لأنه أمره بالقضاء، والأمر يقتضي الوجوب، وإنما يكون واجباً على قولنا، فأما التطوع فلا يجب قضاؤه.
ولا يصح حمله على النذر ـ أيضاً ـ لوجهين:
أحدهما: أنه نُقِل في الخبر حكمٌ وهو الأمر بالقضاء، وسبب وهو السِرار، فاقتضى تعلق ذلك الحكم بذلك السبب، وعندهم يتعلق بغيره، وهو النذر.
الثاني: أن صوم هذا الزمان منهيٌّ عنه؛ إما لأجل الشك، أو لأجل النهي عن تقدم الشهر بيومٍ أو يومين، فيكون نذر معصية، وعندهم نذر المعصية لا يصح (٣).
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم من آخر الشهر ٣/ ٤١، ح ١٩٨٣، ومسلم، كتاب الصيام ٢/ ٨٢٠، ح ١١٦١/ ٢٠٠ من طريق مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي ﷺ أنه سأله ـ أو سأل رجلاً وعمران يسمع ـ فقال: «يا أبا فلان، أما صمت سرر هذا الشهر؟» قال: ـ وفي رواية: أظنه قال: يعني رمضان ـ قال الرجل: لا يا رسول الله، قال: «فإذا أفطرت فصم يومين». (٢) ينظر: غريب الحديث ٢/ ٧٩. (٣) ذهب الحنفيّة والحنابلة: إلى أن نذر المعصية ينعقد، ويكون موجبه كفارة يمين، وذهب المالكيّة والشافعيّة: إلى أنه لا ينعقد، وليس فيه كفارة. [ينظر: بدائع الصنائع ٥/ ٨٢، الاستذكار ١٥/ ٥١، المجموع ٨/ ٣٤٤، شرح الزركشي ٧/ ١٠١].