للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إذا ثبت هذا فما كان جناية على حق الله ـ تعالى ـ تؤخر عقوبته إلى دار الآخرة؛ فإنها دار الجزاء، فأما دار الدنيا؛ فإنها دار تكليف وعمل، فلا يجوز أن تكون دار الجزاء، ألا ترى أن دار الآخرة لمَّا كانت دار جزاء لم تكن دار عملٍ وتكليفٍ، كذلك دار الدنيا لمَّا كانت دار عملٍ وتكليفٍ وجب أن لا يخلص فيها الجزاء حتى تخلص الأعمال والتكاليف، وترك الصلاة لا يستضر به أحد، إنما يستضر به تارك الصلاة، فهو جناية على محض حق الله ـ تعالى ـ، فتكون عقوبته مؤخرة إلى دار الآخرة. وهذا الكلام قد مضى تقريره في عدة مواضع.

وقرر أبو زيد هذا الكلام على وجهٍ آخر، فقال: القتل عقوبة، فلا يستحق إلا بجريمةٍ متناهيةٍ؛ لأن القتل عقوبة متناهية، وأن هذه الجريمة ليست متناهية (١).

وبيان ذلك: أن الترك ليس حراماً لعينه؛ فإن ترك الأكل، وترك الشرب مباح، وإنما صار الترك حراماً؛ لأنه تضمن ترك الصلاة، فإذن هو [حلال] (٢) في نفسه [حرام] (٣) لغيره، فلا يصلح لإيجاب العقوبة؛ فإن الشبهة قد تمكنت منه، وإذا كانت الشبهة متمكنة من الفعل فلا يكون صالحاً لإيجاب القتل، وصار كآخذ مال الغير؛ فإن الأموال في الأصل حيث خلقت إنما خلقت للأكل والتناول، وإنما إذا تعلق بها حق بعض الناس حرم أخذها؛ لكيلا يفضي إلى الإضرار به، فهو حرام [من وجه] (٤) دون وجه، وإذا كان كذلك لم يصلح لإيجاب العقوبة، ولا يلزم على هذا شرب الخمر؛ فإن ذلك [حرام] (٥) لعينه، قال : «حرمت/ الخمر لعينها» (٦)،


(١) لم أقف عليه فيما هو مطبوع من كتبه.
(٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (حلالاً)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (حراماً)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (ووجه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (حراماً)»، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٦) لم أقف عليه، وأخرج وكيع القاضي في أخبار القضاة ٣/ ٤٤ من طريق عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب.

<<  <   >  >>