قلنا: ليس هذا بمذهب للفقهاء؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه إذا كان كافراً، فقال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادة، أنه لا يُقبل منه، ولا يحكم بإسلامه، على أن هذا يخالف النص، وهو قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»(١)، فبطل من هذا الوجه.
فإن قيل: إنما لم يقبل لأنّا نستدل على كذبه فيما أخبرنا به؛ لأنه لا مشقة عليه في القول، فإذا امتنع منه اتهمناه في خبره بالكذب، بخلاف الصلاة؛ فإنه يشق عليه فعلها مع اعتقاده لوجوبها، فإذا أخبر بذلك لم يتهم بالكذب.
قلنا: وقد يترك قول الشهادتين تكبراً، وأنفةً، وخوف العار، كما رُوي أنَّ أبا طالب كان يقول للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ إذا دعاه: أنا أعلم بأنك صادق، ولولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينيك (٢).
وقال ـ تعالى ـ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (٣)، قال قتادة: جحدوا الإيمان بها، واستيقنتها أنفسهم، أي: علموا أنها من عند الله، والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة (٤).
وكذا قوله ـ تعالى ـ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٥)، قال الحسن: المعرفة في قلوبهم، والتكذيب بألسنتهم (٦).
(١) تقدم تخريجه. (٢) أخرج مسلم، كتاب الإيمان ١/ ٥٥، ح ٢٥ من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: «قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة»، قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. (٣) النَّمل: ١٤. (٤) أخرج ابن أبي حاتم في التفسير ٩/ ٢٨٥٢ ـ ٢٨٥٣، ح ١٦١٦٩، ١٦١٧١ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾: والجحود لا يكون إلا من بعد معرفة. ومن طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ قال: جحدوا بها بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق. (٥) الأنعَام: ٣٣. (٦) نسب هذا القول له أبو الخطاب في الانتصار ٢/ ٦١٣.