للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقولكم: إنه لا يزول الحكم مع بقاء سببه، فإذا كان الحدث باقياً فكيف يزول المنع، والمنع حكم/ الحدث، ولهذا الماء لم يزل المنع به إلا بتوسط رفع المانع؛ فهذا ليس بصحيح ـ أيضاً ـ؛ لأن الحكم قد يرتفع مع بقاء سببه، بدليل أن السبب لتحريم أكل الميتة كونها نجسة العين ميتة [مستحيلاً] (١) فيها الدماء والنتن والخبث الحاصل فيها، ثم إن الضرورة لما جاءت أزالت المنع من الأكل، وأباحت الأكل، وإن كان المعنى الذي تعلق عليه حكم [المنع] (٢) باقياً، ولم يحكم الشرع بزوال المانع، وزوال المنع، بل اللحم نجس وميتة، والإباحة حاصلة لأجل الضرورة، كذلك جسدُ المحدثِ؛ مُحدِثٌ جُنبٌ وغيره من الأحداث (٣)، وأتيح له لأجل الضرورة الصلاة، فالبدن المحدث كالشاة الميتة، والأكل للضرورة كالصلاة مع الحدث للضرورة، وكذلك وضوء المستحاضة لا يرفع الحدث، بل الحدث مستدام في حقِّها، ومع ذلك تستباح الصلاة، فالمنع زال بطهارتها، والمانع مستدام، وإذا ثبت أن التيمم لا يرفع الحدث، لم يكن بينه وبين النجاسة فرق في أن التيمم رفع حكمه مع بقاء عينه، وسيظهر ـ بمشيئة الله ـ هذا الكلام فيما بعد.

وقد سلك بعض الأصحاب في المسألة طريقة أخرى، فقال: إن محل النجاسة يجب تطهيره تعبداً حكميّاً، ولهذا نخصه بالماء والخل أبلغ منه في الإزالة، ونوجب غسل النجاسة سبعاً وهي تزول بدون ذلك، ويزول بلل البول بالشمس والهواء ولا يطهر المحل، وإذا ثبت أنه تطهير حكمي صار كالحدث في الأعضاء فدخله التيمم عند عدم الماء.

ولا يقال: النجاسة معقولة بخلاف الحدث؛ فإنا قد بينا أن محلها بعد الإزالة تطهيره بحكم، ولهذا ورد الشرع بأن فَركَ المنيّ من الثوب تطهيره، ورش بول/ الغلام تطهيره، وكذلك أسفل الخف بالتراب تطهيره،


(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (مستحيل)، وما أثبته هو الصحيح لغة.
(٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٣) كجسد الحائض فهو كجسد المحدث الجُنب.

<<  <   >  >>