قلنا: أولاً: الصحيح والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وما ذكروه في كتبهم أن التيمم لا يرفع الحدث (١)، فلا يلتفت إلى غيره.
ثم ندل عليه بقول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لعمرو بن العاص (٢) في الحديث المشهور: «صليت بأصحابك وأنت جنب» لما كان قد تيمم لأجل خوف البرد (٣)، فسماه جنباً، وهذا يدل على أن الجنابة حاصلة بعد التيمم.
ثم التيمم لو رَفع الحدث لوجب إذا تيمم الجنب والمحدث ثم وجدا الماء أن لا يختلفا في [ما](٤) يلزمهما؛ لأن وجود الماء في حقهما على حال واحد، فلما اختلفا فلزم الجنب الغسل، والمحدث الطهارة، دل على أن حدثهما لم يرتفع، فاختلف ما يلزمهما لاختلاف حال حدثهما.
فأما قولكم: إن البدل يعمل عمل المبدل؛ ليس بصحيح؛ لأن المبدل يرفع بنفسه بغير نية عندكم، والتراب يحتاج إلى نية، والماء لا يتوقف، ولا يعود الحدث إلا بسببه، وفي التيمم يعود الحدث بغير سببه وهو وجود الماء.
(١) ينظر: المبسوط ١/ ١١٠، الجوهرة النيّرة ٢/ ٥١. (٢) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعيد، بن سهم، القرشي السهمي، أمير مصر، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ٨ هـ وقيل: بين الحديبية وخيبر، ولمَّا أسلم كان النبي ﷺ يقرِّبه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، وولاه على غزوة ذات السلاسل، وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح، ثم استعمله على عمان، فمات النبي ﷺ وهو أميرها، وولاه عمر بن الخطاب على فلسطين، ثم مصر ـ وهو الذي افتتحها ـ، وأبقاه عثمان قليلاً ثم عزله، ثم لم يزل بغير إمرة إلى أن كانت الفتنة بين علي ومعاوية، فلحق بمعاوية، فكان معه يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين، ثم سار في جيش جهزه معاوية إلى مصر، فوليها لمعاوية من صفر سنة ٣٨ هـ إلى أن مات يوم الفطر سنة ٤٣ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٣/ ١١٨٤، أسد الغابة ٣/ ٧٤١، الإصابة ٤/ ٥٣٧]. (٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم ١/ ٩٢، ح ٣٣٤، ٣٣٥ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن حجر: إسناده قوي. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٨٥، فتح الباري ١/ ٤٥٤]. (٤) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.