للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يريد عند كل صلاة، والغسل أبلغ في التنظيف، وأدخل في التزين، فلو كان المفروض من الرأس ما ذكروه لأوجب ـ سبحانه ـ غسله؛ لأنه متيسر يستعمل عادة مع غسل الوجه [للاتساع] (١) فلما عدل عنه إلى المسح دل على أنه أراد الاستيعاب، وغسله مستوعباً يشق؛ لأنه لا يمكن إلا بكشف الرأس، وبلِّ الثياب فجعل استيعابه بالمسح، ألا ترى أن الطهارة الكبرى لمَّا أُمِن ذلك فيها استوى الرأس مع بقية الأعضاء في الغسل.

احتجوا:

بما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ «أنه مسح بناصيته» (٢)، والناصية هي مقدم الرأس، وذلك بعضه، وروي في لفظ آخر: «أنه مسح ببعض رأسه» (٣).

والفقه فيه: أنه مسح في طهارة لا على وجه الضرورة أشبه المسح على الخفين، وهذا لأن الله ـ سبحانه ـ خص الرأس من بين سائر الأعضاء المغسولة بالمسح، ولا علّة تلوح لذلك إلا صيانته عن الغسل الذي يشق إيقاعه فيه خوف المضرة في النفس واللباس، وما يورث من الصدمات، وهذه العلة صالحة للاقتصار على البعض، ولهذه العلّة قلتم بجواز المسح على العمامة.

وقد قال بعضهم بأنه فعل يتعلق وجوبه بالرأس أشبه التقصير، فإنه لا يجب الاستيعاب فيه، ولا يلزم الكشف في الإحرام لأنه ترك للتغطية، وقد فرقت الأصول بين/ الفعل والترك، ألا ترى أن النجاسة لما كان بابها التروك وجب طهارتها في جميع الأعضاء، ووجب تركها عن جميع البدن، وطهارة الحدث لما كانت [فعلاً] (٤) وجبت في بعضه، كذلك هاهنا.


(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (للاستاع)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه الربيع بن حبيب في مسنده، باب المسح على الخفين ص ٦٢، ح ١٠٣ عن أبي عُبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي أنه مسح ببعض رأسه في الوضوء. ولم أقف على من تكلم عن الحكم على هذا الحديث.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (فعل)، والصحيح لغة ما أثبته.

<<  <   >  >>