للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فإن قيل: يحتمل أنّه بين بذلك الاستحباب بدليل ما روي عنه «أنه توضأ فمسح بناصيته» (١)، وهي مقدم الرأس.

قلنا: ما خرج مخرج البيان من فعله في أمر واجب يقتضي الوجوب، إلا ما خرج بدليل، فأما خبر الناصية فلا حجة فيه؛ لأنه روي فيه أنه مسح بناصيته وعمامته، فيحتمل أنه كان برأسه عذر فمسح بالناصية، وتمم المسح بالعمامة، وذلك يجزئ عندنا (٢)، على أن الناصية عبارة عن الجملة قال ـ تعالى ـ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ (٣)، وتقول: عندي عشرة نواص من الخيل، كما تقول: عندي عشرة رؤوس من الخيل.

والفقه في المسألة: أنا نقول: عضو غير محدود في الطهارة فوجب استيعابه، دليله الوجه، وهذا صحيح فإنّ غسل الوجه إما أن يكون في الاستيعاب لأنه أمر بتطهيره مطلقاً، [أو] (٤) لأنه مغسول فقوي حكمه فعمّ، فأما الأول فهو قولنا، وأما الثاني فباطل باليدين والرجلين مغسولة ولا يجب [استيعابها] (٥)، والوجه في التيمم ممسوح ويجب استيعابه.

وتحقيق هذه الطريقة: أن الله ـ تعالى ـ علّق الطهارة بالأعضاء على وجهين؛ أحدهما: تعليق مقترن بالتحديد في اليدين والرجلين، والثاني: تعليق مطلق على التحديد وهو الوجه والرأس، فلا يخلو الغرض في/ التحديد أن يكون المراد به الاحتياط، أو قطع التوهم في ظن الزائد، وبيان الاكتفاء بدون التسمية المشتركة في العموم، لا جائز أن يكون لأجل الاحتياط؛ فإنه في الوجه بالعكس، فإنا أوجبنا الإيعاب لعدم التحديد، ولأنه كان الاحتياط في البدن الاستغراق، وكان التحديد لضدِّه،


(١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة ١/ ٢٣١، ح ٢٧٤/ ٨٣ من حديث المغيرة بن شعبة، أن النبي توضأ فمسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين.
(٢) ينظر: الكافي ١/ ٤٠.
(٣) الرَّحمن: ٤١.
(٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (و)، وما أثبته هو الموافق للسياق.
(٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (استيعابه)، وما أثبته هو الموافق للسياق.

<<  <   >  >>