قلنا: هذا قول من زعم أنه لا صيغة للعموم، فإذا قلنا: فلِمَ نؤكد ونستثني فيه؟ قالوا: لأنه لا يصلح لذلك، وقد أفسدنا هذا واتفقنا أن ألفاظ الجميع من: كل، وجميع؛ تقتضي الاستغراق حقيقة، والدليل على ذلك: أنه لا يحسن أن يدخل تحته كل رجل أشرت إليه وزيد فيهم، فبطل أن يدخل التأكيد والاستثناء على ما يصلح مجازاً.
جواب آخر: لو ثبت أن الآية تحتمل البعض، وتحتمل الجميع صارت مجملة فيجب أن يرجع في البيان إلى الرسول ﵇، وقد روى مالك بن أنس وذكره البخاري (١) في «صحيحه»(٢) بإسناده عن عمرو بن أبي حسن (٣)، أنه سأل عبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ/ يتوضأ. فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بماء، فأفرغ على يديه، وذكر الخبر إلى قوله: ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٤). وهذا الخبر كفلق الصبح في البيان.
(١) محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله، حبر الإسلام، والحافظ لحديث رسول الله ﷺ، صاحب الجامع الصحيح المعروف بـ (صحيح البخاري)، و التاريخ، والضعفاء في رجال الحديث، وخلق أفعال العباد، والأدب المفرد، ولد في بخارى سنة ١٩٤ هـ ونشأ يتيماً، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، مات سنة ٢٥٦ هـ[ينظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٢٢، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩١، الأعلام للزركلي ٦/ ٣٤]. (٢) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قال البخاري: «أخرجت هذا الكتاب من زهاء ست مائة ألف حديث. وقال: ما وضعت فيه حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين». وقال: «ما أدخلت فيه إلا ما صح، وتركت من الصحاح كي لا يطول». وهو أول من وضع في الإسلام كتاباً على هذا النحو، وكتابه في الحديث أصح كتاب بعد كتاب الله ـ تعالى ـ. [ينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ١٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٨]. (٣) عمرو بن أبي حسن، الأنصاري، أخو عمارة، ذكر أبو موسى المديني، عن سعيد بن يعقوب أنه ذكره في الصحابة. بهذا القدر تكلّم عنه من ترجم له ـ فيما وقفت عليه ـ. [ينظر: أسد الغابة ٣/ ٧١٢، الإصابة ٤/ ٥١٢]. (٤) تقدم تخريجه.