للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل. وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه، فيكون خروجًا من الأخبار بالجملة. والصحابة بخلاف ذلك، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما: الفصاحة والبلاغة، إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة. الثاني: أنهم شاهدوا قول النبي وفعله، فأنهادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله. وليس من أُخبر كمن عاين. ألا تراهم يقولون في كل حديث: أمر رسول الله بكذا، ونهى رسول الله عن كذا، ولا يذكرون لفظه، وكان ذلك خبرًا صحيحًا ونقلًا لازمًا. وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف لبيانه".
وقال ابن الصلاح (ص ١٨٩): "ومنعه بعضهم في حديث رسول الله . وأجازه في غيره. والأصح جواز ذلك في الجميع إذا كان عالمًا بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه. لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيرًا ما كانوا ينقلون معنى واحدًا في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلّا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ. ثم إن هذا الخلاف، لا نراه جاريًا ولا أجرأه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته الكتب، فليس لأحد أن يجر لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظًا آخر بمعناه. فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم من ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره".
واقرأ في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا للامام الحافظ ابن حزم في كتابه "الأحكام في أصول الأحكام" (ج ٢ ص ٨٦ - ٩٠). وقد استوفى الأقوال وأدلتها شيخا العلامة الشيخ طاهر الجزائري في كتابه "توجيه النظر" (ص ٢٩٨ - ٣١٤).
وبعد: فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملًا، وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظرًا، قال القاضي عياض: "ينبغى سد باب الرواية بالمعنى، لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن، كما وقع للرواة قديمًا وحديثا". والمتتبع للأحاديث يجد أن الصحابة - أو أكثرهم - كانوا يروون بالمعنى ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم، وأن كثيرًا منهم حرص على اللفظ النبوي، خصوصًا فيما يتعبد بلفظه، كالتشهد والصلاة وجوامع الكلم الرائعة، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك. وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ، وإن اختلفت ألفاظهم فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه، ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي وسمع ألفاظه. وأما من بعدهم فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع، ولذلك ذهب ابن مالك - النحوي الكبير - إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو، واتخذها شواهد كشواهد الشعر، وإن أبى ذلك أبو حيان ، والحق ما اختاره ابن مالك.
وأما الآن فلن ترى عالمًا يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى، إلّا على وجه التحدث في المجالس، وأما الاحتجاج وإيراد الأحاديث رواية فلا.
ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث "أو كما قال" أو كلمة تؤدي هذا المعنى، احتياطًا في =

<<  <   >  >>