للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يَقْبَلُهُ الْجُمْهُورُ (١) وَالْمُشْتَهِرُ … لَا سِنَّ لِلْحَمْلِ بَلِ الْمُعْتَبَرُ

تَمْيِيزُهُ أَنْ يَفْهَمَ الْخِطَابَا … قَدْ ضَبَطُوا وَرَدُّهُ الْجَوَابَا

وَمَا رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلِ … وَنَجْلِ هَارُونَ (٢) عَلَى ذَا (نَزِّلِ)

وَغَالِبًا يَحْصُلُ إِنْ خَمْسٌ غَبَرْ … فَحَدُّهُ الْجُلُّ بِهَا ثُمَّ اسْتَقَرّ

وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّ … (وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ) (٣)


(١) من شرط الراوي أن يكون مسلمًا بالغًا. إنما هذا يشترط حين الأداء، أو حين يروي الحديث لينقله عنه غيره، أما حين سماعه للحديث وتحمله إياه فلا يشترط ذلك. فإذا سمع شخص كافر حديثًا من شيخ ثم أسلم وحسن إسلامه وصار عدلًا ونقله إلينا -: قبلنا روايته. وكذلك الصغير إذا كان يفهم ما يسمعه أو يراه ويميزه ثم رواه بعد بلوغه -: قبلنا روايته أيضًا. ومثل ذلك الفاسق حين التحمل إذا صار عدلًا حين الأداء.
(٢) أي موسى بن هارون الحمال أحد الحفاظ.
(٣) اختلفوا في السنّ التي يصلح فيها الصبي للرواية: فنقل القاضي عياض أن أهل الحديث حددوا أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين، قال ابن الصلاح: "وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث" واحتجوا بما رواه البخاري عن محمود بن الربيع قال: "عقلت من النبي مجة مجها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين". قال النووي وابن الصلاح: "والصواب اعتبار التمييز، فإن فهم الخطاب وردّ الجواب كان مميزًا صحيح السماع، وإن لم يبلغ خمسًا، وإلا فلا". وهذا ظاهر. ولا حجة فيما احتجوا به من رواية محمود بن الربيع، لأن الناس تختلف في قوة الذاكرة، ولعل غير محمود بن الربيع لا يذكر ما حصل له وهو ابن عشر سنين، وأيضًا فإن ذكره مجة وهو ابن خمس لا يدل على أنه يذكر كل ما رأى أو سمع. والحق أن العبرة في هذا بأن يميز الصبي ما يراه ويسمعه، وأن يفهم الخطاب ويردّ الجواب. وعلى هذا يحمل ما روي عن موسى بن هارون الحمال، فإنه سئل: "متى يسمع الصبي الحديث؟ " فقال: "إذا فرق بين البقرة والحمار". وكذلك ما روي عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل عن ذلك؟ فقال: "إذا عقل وضبط" فذكر له عن رجل أنه قال: "لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة" فأنكر قوله هذا وقال: "بئس القول! فكيف يصنع بسفيان ووكيع ونحوهما؟! ".
هذا في السماع والرواية. وأما كتابة الحديث وضبطه فإنه لا اختصاص لهما بزمن معين، بل العبرة فيهما باستعداده وتأهله لذلك. وذهب الناظم إلى أن تقديم الاشتغال بالفقه على كتابة الحديث أسدّ وأحسن، وهو كما قال في تعلم مبادئ الفقه، لا في التوسع فيه، فإن الاشتغال بالحديث والتوسع فيه - بعد تعلم مبادئ الفقه - يقوي ملكة التفقه في الكتاب والسنة في طالب العلم ويضعه على الجادة المستقيمة في استنباط الأحكام - منهما، وينزع من قلبه التعصب للآراء والأهواء.
وعندي أنه ينبغي لطالب العلم المشتغل بالحديث أن يكثر من درس الأدب واللغة حتى يحسن فقه الحديث، وهو كلام أفصح العرب وأقومهم لسانًا .

<<  <   >  >>