(١) العبرة في قبول الرواية بالاطمئنان إلى أن الراوي أدى ما سمع كما سمع، فإذا كان في الراوي ما يرفع هذه الثقة به لم تقبل روايته، كما إذا عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، بأن ينام حين السماع أو يحدث من نسخة غير مصححة على أصله أو أصل شيخه أو نحو ذلك، وكما إذا قبل التلقين: بأن يروي الحديث فيلقنه أحد الحاضرين في الإسناد أو في المتن فيقبل ذلك من غير رجوع إلى كتابه للتوثق منه، وكما إذا كثر السهو أو الغلط أو الشذوذ في رواياته إذا حدث من حفظه. وغير ذلك من الحالات التي يعلم منها أن الراوي لم يضبط روايته ولم يؤدها على وجهها. ونحو ذلك من غلط في حديث فبين له غلطه فأصر على روايته ولم يرجع عن غلطه، فإن أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك ذهبا إلى إسقاط رواياته كلها، قال ابن الصلاح: "وهذا صحيح إن ظهر أنه أصر عنادًا أو نحوه" قال العراقي: "وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالمًا عند المبين له، وإلا فلا حرج إذن" وهذا القيد صحيح، لأن الراوي لا يلزم بالرجوع عن خطئه إن لم يثق بأن من زعم أنه أخطأ أعرف منه بهذه الرواية التي يخطئه فيها. (٢) الشروط السابقة في عدالة الراوي إنما تراعى بالدقة في المتقدمين. وأما المتأخرون - بعد سنة ثلاثمائة تقريبًا - فيكفي أن يكون الراوي مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بفسق أو بما يخل بمروءته وأن يكون سماعه ثابتًا بخط ثقة غير متهم وبرواية من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. لأن المقصود بقاء سلسلة الإسناد، وإلا فإن الروايات استقرت في الكتب المعروفة، وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط. قال الحافظ البيهقي: "توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلًا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا ﷺ ". وقال الذهبي في الميزان: "ليس العمدة في زماننا على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره". فالعبرة في رواية المتأخرين على الكتب والأصول الصحيحة التي اشتهرت بنسبتها إلى مؤلفيها، بل تواتر بعضها إليهم. وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى بيان.