للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" رواه مسلم في صحيحه، ورواه أحمد وابن ماجه عن سمرة، وقوله "يرى" فيه روايتان: بضم الياء وبفتحها، أي بالبناء للمجهول وبالبناء للمعلوم، وقوله "الكاذبين" فيه روايتان أيضًا: بكسر الباء وبفتحها، أي بلفظ الجمع وبلفظ المثنى. والمعنى على الروايتين في اللفظين صحيح. فسواء أعلم الشخص أن الحديث الذي يرويه مكذوب، بأن كان من أهل العلم بهذه الصناعة الشريفة، أم لم يعلم، إن كان من غير أهلها، وأخبره العالم بها الثقة -: فإنه يحرم عليه أن يحدث بحديث مفترى على رسول الله ، وأما مع بيان حاله فلا بأس، لأن البيان يزيل من ذهن السامع أو القارئ ما يخشى من اعتقاد نسبته إلى الرسول .
ويعرف وضع الحديث بأمور كثيرة، يعرفها الجهابذة النقاد من أئمة هذا العلم: منها: إقرار واضعه بذلك، كما روى البخاري في التاريخ الأوسط عن عمر بن صبح بن عمران التميمي أنه قال: أنا وضعت خطبة النبي . وكما أقر ميسرة بن عبد ربه الفارسي أنه وضع أحاديث في فضائل القرآن، وأنه وضع في فضل عليّ سبعين حديثًا. وكما أقر أبو عصمة نوح بن أبي مريم - الملقب بنوح الجامع - أنه وضع على ابن عباس أحاديث في فضائل القرآن سورة سورة.
ومنها: ما ينزل منزلة إقراره. كان يحدث عن شيخ بحديث لا يعرف إلا عنده، ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخًا معينًا، ثم يتبين من مقارنة تاريخ ولادة الراوي بتاريخ وفاة الشيخ المروي عنه أن الراوي ولد بعد وفاة شيخه، أو أن الشيخ توفي والراوي طفل لا يدرك الرواية، أو غير ذلك. كما ادعى مأمون بن أحمد الهروي أنه سمع من هشام بن عمار فسأله الحافظ ابن حبان: متى دخلت الشام؟ قال: سنة خمسين ومائتين، فقال له: فإن هشامًا الذي تروي عنه مات سنة ٢٤٥، فقال: هذا هشام بن عمار آخر!!
وقد يعرف الوضع أيضًا بقرائن في الراوي أو المروي أو فيهما معًا. فمن أمثلة ذلك: ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر التميمي قال: "كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: معلموا صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين!! " وسعد بن طريف هذا قال فيه ابن معين: "لا يحل لأحد أن يروي عنه" وقال ابن حبان: "كان يضع الحديث" وراوي القصة عنه - سيف بن عمر - قال فيه الحاكم: "اتهم بالزندقة، وهو في الرواية ساقط".
وقيل لمأمون بن أحمد الهروي: "ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخراسان؟! فقال: حدثنا أحمد بن عبد الله - كذا في لسان الميزان (ج ٥ ص ٧ - ٨) وفي التدريب (ص ١٠٠) أحمد بن عبد البر - حدثنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعًا: يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضرّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي!! ".
وكما فعل محمد بن عكاشة الكرماني الكذاب، قال الحاكم: "بلغني أنه كان ممن يضع الحديث حسبة. فقيل له: إن قومًا يرفعون أيديهم في الركوع وعند الرفع منه؟ فقال: حدثنا المسيب بن واضح حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله . من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له. فهذا مع كونه كذبًا من أبخس الكذب فإن الرواية عن الزهري بهذا السند بالغة مبلغ القطع بإثبات الرفع عند الركوع وعند الاعتدال، وهي في الموطأ وسائر =

<<  <   >  >>