(١) الحديث المقلوب: إما أن يكون القلب فيه في المتن، وإما أن يكون في الإسناد. فمثال المقلوب في المتن: ما رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث أنيسة مرفوعًا: "إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". وما رواه مسلم في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة: "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو كما في الصحيحين: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أمرتكم بشيء فائتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ما استطعتم" فإن المعروف ما في الصحيحين: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم". وأما القلب في الإسناد فقد يكون خطأ من بعض الرواة في اسم راو أو نسبه، كأن يقول "كعب بن مرة" بدل "مرة بن كعب". وقد ألف الخطيب في هذا الصنف كتابًا سماه "رفع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب". وقد يكون الحديث مشهورًا براو من الرواة أو إسناد، فيأتي بعض الضعفاء أو الوضاعين ويبدل الراوي بغيره ليرغب فيه المحدثون. كأن يكون الحديث معروفًا عن سالم بن عبد الله، فيجعل عن نافع. أو يبدل الإسناد بإسناد آخر كذلك، مثل ما روى حماد بن عمرو النصيبي - الكذاب - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام" الحديث، فإنه مقلوب، قلبه حماد، فجعله عن الأعمش، وإنما هو معروف عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي، كلهم عن سهيل. وهذا الصنيع يطلق على فاعله أنه يسرق الحديث إذا قصد إليه. وقد يقع هذا غلطا من الراوي الثقة، لا قصدًا كما يكون من الوضاعين، مثاله: ما روى إسحق بن عيسى الطباع قال: (حدثنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" قال إسحق بن عيسى: فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث، فقال: وهم أبو النضر - يعني جرير بن حازم - إنما كنا جميعًا في مجلس ثابت، وحجاج بن أبي عثمان معنا، فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس) فقد انقلب الإسناد على جرير، والحديث معروف من رواية يحيى بن أبي كثير، رواه مسلم والنسائي من طريق حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيى. وقد يقلب بعض المحدثين إسناد حديث قصدًا لامتحان بعض العلماء، لمعرفة درجة حفظهم، كما فعل علماء بغداد حين قدم عليهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، فيما رواه الخطيب، فإنهم اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا لإسناد آخر، وإسناد هذا لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، إلى كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على =