قال: القاضي عياض: معناه: أُخلف بمكة بعدَ أصحابي؟ قاله: إمّا إشفاقًا من موته بمكة، لكونه هاجر منها، وتركها لله، فخشي أنّ يقدح ذلك في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، وتخلف عنهم بسبب المرض، وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه لله، ولهذا جاء في رواية: أخلف عن هجرتي؟ (١).
قال: القاضي: كان حكم الهجرة باقيًا بعد الفتح، لهذا الحديث، وقيل: إنّما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح، وأما من هاجر بعده، فلا (٢)، (فقال) له - صلى الله عليه وسلم -: (إنّك لن تخلَّفَ فتعملَ عملًا) المراد بالتخلف هنا: طول العمر، والبقاء في الحياة بعد جماعاتٍ من أصحابه (٣)، (تبتغي به)؛ أي: بذلك العمل (وجهَ الله) الكريم ومرضاته (إلا ازددت به)؛ أي: بذلك التخلف الذي عملت فيه العمل المذكور (درجةً) عند الله عاليةً، (ورفعةً) عظيمة وافية.
وفيه: فضيلةُ طول العمر للازدياد في العمل الصالح، والكدح الناجح، والحثّ على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال الصالحة (٤)، (ولعلك)، وفي رواية:"ثم لعلّك"(٥)(أنّ تخلف حتى ينتفع بك أقوام)، وفي رواية:"عسى الله أن يرفعك"(٦)؛ أي: يطيل عمرك، وكذلك اتفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيدَ من أربعين سنة، بل قريبًا من خمسين عامًا، مات سنة خمسٍ
(١) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٦٣٥٢). (٢) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (٥/ ٣٦٥). (٣) انظر: "شرح مسلم" للنووي (١١/ ٧٨). (٤) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٥) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (١٢٣٣). (٦) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٢٥٩١).