ربيبةُ أحقابٍ جلا الدهرُ وجْهَها … فليس بها -إلا تلالؤها- ندبْ (١)
إذا فُرُجاَتُ الكأس منها تُخيِّلتْ … تأَمَّلتَ في حَافَاتِها شُعَل اللَّهَبْ
كأنَّ اطِّرادَ الماءِ في جَنَباتِها … تَتبَّعُ ماءُ الدَّرّ في سُبُكِ الذَّهَبْ
سَقَاني بها والليلُ قد شَابَ رأسُه … غَزالٌ بحنَّاءَ الزّجاجة مُخْتَضَبْ
يَكادُ إذا ما ارْتَجَ ما في إزَارَه … مَالتْ أعاليه من اللين يَنْقضِبْ
تَرَبَّعَ في أطلالها بعد أهْلِها … زَمانٌ يُشِتُّ الشَمْلَ، في صرفِهِ عَجَبْ
عَواتقُ قد صَانَ النَّعيمُ وُجُوهها … وخَفَّرها خَفْرُ الحواضن والحُجُبْ
لطيفُ الحشى عَبْلُ الشَّوَى مُدْمَجُ القَرَى … مريضُ جُفونِ العين في طيِّهِ قَبَبْ (٢)
أَميلُ إذا قائد الجهل قادني … إليه وتلقاني الغواني فَتَصْطَحِبْ
فورَّعني بعد الجهالة والصِّبَا … عن الجهل عهدٌ بالشبيبة قد ذَهَبْ
وأَحداثُ شَيْبِ يَفْتَرعْنَ عن البِلى … ودهرٌ -تَهِرُّ الناس أيَّامُهُ- كَلبْ
فأَصبحتُ قد نكَّبْتُ عن طُرُق الصِّبا … وَجَانَبتُ أحداثَ الزُّجاجة والطَّرَبْ
يحطَّان كأسًا للنديم إذا جَرَتْ … عليّ وإنْ كانت حَلالا لمن شَرِبْ
ولو شِئْتُ عاطَاني الزجاجة أحورٌ … طويلٌ قَناةِ الصُّلْبِ مُنْحَزِلُ العَصَبْ
ليالينَا بالطَّفِّ إذْ نحنُ جيرةٌ … وإذْ للهوى فينا وفي وَصْلِنا أَزَبْ
ليالي تسعى بالمدامةِ بيننا … بناتُ النَّصارى في قلائدها الصُّلُب
تُخالسني اللذاتِ أيدي عَواطلٍ … وجُوفٌ من العبدان تبكي وتَصْطَخِبْ (٣)
إلى أَنْ رَمى بالأربعين مُشِبُّهًا … ووقَّرني قرع الحوادث والنَّكَبْ (٤)
وكْفْكَفَ من غربي مَشيبٌ وَكَبْرَةٌ … وأحكمني طولُ التجارب والأدبْ (٥)
وبحرٍ يحارُ الطرفُ فيه قطعته … بِمَهنُوءَةٍ من غير غُرٍّ ولا جربْ (٦)
(١) الندب: آثار الجرح.
(٢) الشوى: الأطراف، والقرى: الظهر. وأطواء البطن: مكاسر طيه. والقبب: دقه الخصر، أو رقته وضمور البطن.
(٣) العاطل: هي المرأة التي لا حلى عليها.
(٤) أشب لك الرجل إشبابًا: إذا رفعت طرفك فرأيته من غير أن ترجوه أو تحسبه ويقال أشب لي كذا: أتيح لي. وأشبه: جعله يشبه أو يقدر.
(٥) في الأصل: عن عبري مشيب وكبره. هذا ويقال: علته كبرة إذا أسن.
(٦) المهنوءة: التي طلبت بالهناء وهو القطران. والغر: داء يتمعط منه وبر الإبل.