وكانت الشُّراة والصعاليك يلقونه فلا يوذونه، ويواكلونه ويشاربونه، ويبرُّونه، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه، ومن الأمثلة على ذلك: أنه دعا بغلاميه ثقيفٍ وشغفٍ وكانا مغنين، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره، يواصلونه ويصلونه (١).
[هجاؤه للمعتصم]
وهجا دعبل المعتصم، عندما أبلغه أنه يريد اغتياله فهرب إلى الجبل. وكان المعتصم يكرهه لطول لسانه فقال:
بَكَى لِشَتات الدِّين مُكْتئبٌ صَبُّ … وفاضَ بفَرْط الدَّمع من عَيْنِه غَرْبُ (٢)
وقَامَ إمَامٌ لَمْ يكنْ ذا هدايةٍ … فليس لهَ دينٌ وليسَ له لُبُّ
وما كانت الأنْباءُ تأتى بمثلِهِ … يُمَلَّك يومًا أو تَدينُ له العُرْبُ
ولكنْ كما قالَ الذين تَتَابعوا … من السَّلَفِ الماضين إذ عَظُمَ الخطبُ
مُلوكُ بني العبَّاسِ في الكُتْب سبعةٌ … ولم تأْتِنَا عن ثامن لهمُ كُتبُ
كذلكَ أَهْلُ الكَهْفَ في الكَهْفَ سبعةٌ … كرَامٌ إذا عُدُّوَا وثامنُهم كلْبُ
وإنِّي لأُعلي كلبَهَمَ عنك رِفعةٌ … لأنكَ ذو ذَنْب وليس له ذَنْبُ
لقد ضاعَ مُلكُ النَّاسِ إذ سَاسَ ملكهُم … وَصيفٌ وأُشناسُ فقد عَظُم الكربُ (٣)
وفَضْلُ بني مَرْوَان يُثلم ثَلمةً … يَظَلُّ لها الإسلام ليس له شَعْبُ (٤)
[المدح]
ومن أهم قصائده في المدح القصيدة التائية المشهورة في مدح أهل البيت:
مَدَارسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تَلاوةٍ … ومَنْزِلُ وَحِيٍ مُقْفرُ العَرَصَاتِ
دِيارُ عليٍّ والحُسَيْنِ وجَعفَرٍ … وحَمزةَ والسجَّادِ ذِي الثَّفِناتِ (٥)
(١) الأغاني ٢٠/ ٨٣.
(٢) الغرب: عرق في العين يسقي لا ينقطع، والدمع، أو سيله. والغرب في الأصل: الدلو العظيمة.
(٣) وصيف وأشناس: من الموالي الأتراك الذين اختارهم المعتصم قوادًا في جيشه وحكامًا في ملكهـ فأفسدوا أمور الدولة وكانوا من عوامل القضاء عليها.
(٤) شعب: اجتماع والتئام. وفي الأصل يثلم ثلمة. الأغاني ٢٠/ ٩٦.
(٥) الثفنات: جمع ثفنة، وهي المركبة، يعني أن طول السجود أثر في ثفناته. والسجاد ذو الثفنات (علي بن الحسين "زين العابدين" وجعفر الطيار).