بأحسنَ مِنها، ذَاتَ يَوْمٍ، لَقِيتُها … لهَا نَظَرٌ نَحوِي، كَذِي البَثِّ خاشِعُ
رَأَيتُ لَها نارًا، تُشَبُّ، وَدونَها … طَوِيلُ القَرا، مِنْ رَأسِ ذَروَةَ فارِعُ (١)
فَقُلتُ لِأَصحابي: اصطَلوا النَّارَ، إِنَّها … قَريبٌ فَقالُوا: بَلْ مَكَانُكَ نَافِعُ (٢)
فَيا لَكَ مِن حادٍ، حَبَوت مُقَيَّدًا … وَأَنْحَى عَلى عِرنَين أَنفِكَ جَادِعُ (٣)
أَغَيظًا، أَرَدَت أَنْ تُخِبَّ جِمالَها … لِتَفْجَعَ، بِالأَضعانِ مَن أَنْتَ فاجِعُ (٤)
فَما نُطفَةٌ بِالطَّودِ، أَو بِضَرِيَّةٍ … بَقِيَّةُ سَيلٍ، أَحرَزَتها الوَقائِعُ (٥)
يُطيفُ بِها، حَرّانُ، صادٍ، وَلا يَرى … إِلَيها سَبيلًا، غَيرَ أَن سَيُطالِعُ (٦)
بِأَطيَبَ مَن فيها، إِذا جِئتَ طارِقًا … مِنَ اللَّيلِ، وَاخضَلَّتْ عَلَيكَ المَضَاجِعُ (٧)
وَقَدْ جَاوَرتْنَا، فِي شُهُورٍ، كَثيَرَةٍ … فَما تَوَّلَتْ، واللَّهُ رَاءٍ، وسَامِعُ
فَجِئتُ كَأَنِّي مُستَضيفٌ وَسائِلٌ … لِأُخْبِرَها كُلَّ الَّذي أَنَا صَانِعُ
فَأَيُّهُما ما أَتبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزينٌ عَلى إِثرِ الَّذي أَنَا وادِعُ
بَكى مِن فِراقِ الحَيِّ قَيسُ بنُ مُنقِذٍ … وَإِذ راءُ عَينَي مِثلِهِ الدَّمعُ شائِعُ
بِأَربَعَةٍ تَنهَلُّ لَمّا تَقَدَّمَتْ … بِهِم طُرقٌ شَتَّى وَهُنَّ جَوامِعُ
وَما خِلتُ بَينَ الحَيِّ حَتَّى رَأَيْتُهُم … بِبَينُونَةَ السُّفلى وَهَبَّت سَوافِعُ
كَأَنَّ فُؤادي بَينَ شِقَّينِ مِن عَصًا … حِذارَ وُقُوعِ البَينِ، وَالبَينُ واقِعُ
يَحُثُّ بِهِم حادٍ، سَريعٌ نَجاؤُهُ … وَمُعْرًى عَنِ السَّاقَينِ، وَالثَّوبُ واسِعُ
فَقُلتُ لَها: يا نُعمَ، حُلِّي مَحَلَّنَا … فَإِنَّ الهَوَى يا نُعمُ، وَالعَيشُ جامِعُ
فَقُلتُ لَها تَاللَّهِ يَدري مُسافِرٌ … إِذا أَضمَرَتهُ الأَرضُ، ما اللَّهُ صَانِعُ
فَشَدَّت عَلى فِيهَا اللِّثَامَ وَأَعرَضَتْ … وَأَمْعَنَ بِالكُحْلِ السَّحِيقِ المَدامِعُ
(١) تشب: توقد. والقران الظهر. وذروة: اسم جبل. والفارع: العالي.
(٢) وقوله: اصطلوا النار: أي جدوا في السير لنصطلي النار.
(٣) وقوله: حبوت مقيدًا وأنحى. . . يدعو عليه.
(٤) أردت: يخاطب الحادي. ورواية الأغاني: اردت. وتخب جمالها: تجعلها تسرع. والإظعان: مصدر اظعنته إذا سيرته.
(٥) والنطفة: الماء الصافي. والطود: الجبل. وضربة: بئر.
(٦) وسيطالع أي: سيطلع عليها.
(٧) واخضلت: نديت.