للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأرض جبينه.

قلت: الأصل إنَّ هذه القضية ما وقعت فإن كانت وقعت فحاشى الله أن يأمر داود، وهو نبي الله المعصوم وخليفته في الأرض العدل أن يأمر بما فيه قتل رجل يريد قتله عمدًا ليتزوج امرأته، ولئن كان داود أمر بتقديمه مع التابوت، فهو لمصلحة اقتضت تقديمه؛ إما لشجاعته في اللقاء، وإما لثبات عرفه منه إذ كان يعلم أنه لا يقوم أحد في ذلك مقامه ولا يبلى ببلائه.

على أنَّ هذا الخبر كله من أصله مردود وبابه عند أهل الحق مسدود، ولقد تورط رجل في زماننا وأورد في هذا قول هؤلاء القصاص فقامت قيامة مشايخنا رؤساء الشافعية بدمشق ومنهم؛ أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب، وأبو المعالي بن الزملكاني، وعاند كافل الممالك الشامية وناقضاه. وقد مالت حفدته برأيه لنصرة ذلك المجترئ، وإقرار فرية ذلك المفتري، حتى أظهر الله عصمة أنبيائه ونصر رسله، وعجل دمار رجل كانت تلك الفرقة المبطلة تنتظر مقدمه، وتظن أنها ستحارب الله به: [من الكامل]

«وليغلبنَّ مغالب الغلّاب»

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: ماعمل داود عملًا قد كان أنفع له من خطبته مازال منها خائفًا هاربًا حتى لحق بربه.

قال جعفر بن سليمان: حدثنا ثابت، قال: كان داود يذكر ذنبه فيخاف الله ﷿ خوفًا يفرج أعضاءه من مواضعها، ثم يذكر عائدة الله ورأفته على أهل الذنوب فيرجع كل عضو إلى مكانه.

وعن مجاهد قال: بكى داود أربعين يومًا حتى نبت حول رأسه عشب غيَّبَ رأسه، فقال: أي رب قرحت جبهتي وجمدت عيني. وداود لم يرجع إليه في ذنبه شيء، فنودي: أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى، أم مظلوم فتنظر فأجيب في غير ما طلب؛ فلما رأى أنه لم يرجع إليه في ذنبه شيء، انتحن نحبة أحرق ما كان حوله من العشب من حرّ جوفه. قال: يارب اجعل خطيئتي في كفي، فكانت مكتوبة في كفه، فكان لا يبسط كفه لطعام ولا غيره إلا رآها فأبكته، وإن كان ليؤتى بالقدح ثلثاه ماء فاذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفتيه حتى يفيض من دموعه.

قال وهب: لما أصاب داود الخطيئة، اعتزل فرش الملك ثم بكى حتى رعش، وحتى خدت الدموع في خده.

<<  <  ج: ص:  >  >>