وبعد ثمانين سنة أولد موسى النبي ﵇ فأخفوه ثلاثة أشهر، ولم يقدروا أن يخفوه بعدها فأخذت أمه بوخائد تابوتًا من الخشب ووضعته فيه وألقته في النهر. وكانت أخته مريم تنظر إليه من بعد لتعلم ما يكون منه.
ونزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغسل فرأت التابوت فوجهت خدمها يشلنه من البحر؛ فلما رأته يبكي رحمته، وقالت: هذا من أولاد العبرانيين، فقالت أخته: أتريدون من يُرضعه؟ قالت: نعم، فمضت ودعت أمه فقالت: لها ابنة فرعون: أرضعي هذا الغلام وأنا أعطيك أجرتك، ولم تعلم أنها أمه.
وقيل: إنَّ التي أمرت بأخذه وتربيته إنما هي امرأته، وهي آسية بنت مزاحم، وهو الصحيح.
ومات والده عمران وعمره مائة وسبعة وثلاثون سنة.
قال بعض المؤرخين: إنَّ ابنة فرعون ألتي ربَّت موسى أحضرت إليه جماعة من العلماء وعلموه جميع العلوم والحكم وآداب المصريين. وكان اسمها ميري، وقيل: إنَّ اسمها بسعور.
وصار موسى عظيم الشأن بمصر فحسده خاصة فرعون لقربه من آسية ومكانته منها، وموضع رئاسته في المملكة، فتشاوروا في ابعاده.
وفي ذلك الوقت حارب الكوشانيون وهم الجيش أرض مصر وخربو بلادها وقطعوا - كما ذكروا - الماء عنها؛ لأن مادة النيل من بلاد الحبشة، فأشاروا على الملك أن يرسل موسى لغزوهم فأجابهم، فقال لموسى: قد علمت ماجرى من الجيوش، وأنهم يركبون السفن في النيل ويغزون أرض مصر وقد خرَّبوها وسبوا أهلها، وقطعوا ماء النيل عنها، ويجب عليك نصرة المملكة لما لها عليك من الحقوق التي تعرفها ولا تنكرها، وقد رأى الملك و وجميع خاصته أن تسير إلى الحبشة وتغزوا أهلها، وتستصحب من تختار من العساكر، وتكون مقدَّمًا عليهم. فانتخب موسى من بني إسرائيل عشرة آلاف، فارس، ومن المصريين عشرة آلاف فارس.
وبلغ موسى أن البراري والقفار التي بين أرض مصر والحبشة كثيرة الحيات والأفاعي فاتخذ موسى من الطيور التي تأكل الحيات شيئًا كثيرًا، وقيل: إنَّ منها العقعق ويوحدح.