فلما وصل إلى الأرض المذكورة، أمر أن لا تطعم الطيور إلا في أوائل النهار، فكان إذا نزل العسكر يفرق أقفاص الطيور في المنازل ولا تطعم شيئًا، فكانت تصيح في الليل كله لشدة جوعها، فتسمع الحيات أصواتها فتغيب في الأرض لكثرة خوفها منها فلم يزل كذلك حتى وصل إلى أرض الحبشة؛ فلما رأى الكوشانيون كثرة العساكر أعظمهم الأمر جدًا، وخافوا خوفًا عظيمًا، ونزلوا على مدينة الحبشة وقاتلوها قتالًا شديدًا، واستظهروا على أخذها.
فلما تحققت بنت ملكة الحبشة أن موسى سيظفر بالمدينة ويقتل كل من فيها أرسلت إليه رسالة أن يتزوجها وتعرفه مواضع يفتح المدينة منها فأجابها إلى ذلك فعرفته الأماكن ففتح المدينة واستولى على المملكة، وتزوج موسى بنت ملكة الحبشة، وهي السوداء التي ورد في التوراة خبرها:«أن مريم وهارون تكلموا في موسى من أجل أنه تزوج امرأة سوداء».
وأقام موسى بالعساكر التي معه في أرض الحبشة إلى وقت صعود النيل، وعرف أحوالهم فبنى جسرًا عظيمًا بالحجر والكلس لحفظ الماء عند زيادته إلى أن تروى أرض الحبشة وتأخذ حاجتها منه، ثم ينحدر الماء إلى أرض مصر.
وجعل موسى أخا زوجته على مملكة الحبشة مكان أبيه واستخلفه أن لا يقطع الماء عن أرض مصر، وعاد موسى بمن معه من العساكر إلى الديار المصرية؛ فلما وصل خاف منه فرعون وجميع خاصته.
وكانت ابنة فرعون التي ربت موسى - في قول بعضهم - توفيت وهو بأرض الحبشة.
وبعد ذلك بأيام يسيرة أراد فرعون أن يقتله بمن قتل فهرب إلى مدين، وكان عمره حينئذ أربعين سنة، وتزوج هناك بنتًا اسمها صفورا بنت شعيب بمدين على ما قص الله من قصتهما في كتابه، فولدت له ابنين؛ اسم الأول منهما حرشون، والثاني لعازر.
وكان موسى يرعى الغنم لشعيب ﵉ وكان موسى يأتي بالغنم إلى البرية حتى وصل إلى طور سيناء فرأى نارًا فقرب منها فرأى عوسجة تشتعل نارًا ولا تحترق فتعجب، وأراد أن يدنو لينظر فنودي: يا موسى لا تدن واخلع نعليك فإن المكان الذي أنت فيه واقف مقدس، وأنا إلهك وإله آبائك؛ إبراهيم وإسحاق، ويعقوب، وإني مرسلك إلى فرعون، وقل لبني إسرائيل: إني أرسلتك لتخلصهم.
ورأى العصا الذي بيده ثعبانًا ثم عادت عصًا كما كانت، وجعل الله يده