وكان الهند جميع الأمم على مر الدهور معدن الحكمة، وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة، والآراء الفاضلة، والأمثال السائرة، والنتائج الغريبة، واللطائف العجيبة.
وزعم أهل العلم بالنجوم، أنَّ زحل وعطارد يتوليان بالقسمة الطبيعية الهند؛ فلولاية زحل مال إلى السواد ألوانهم، ولولاية عطارد خلصت عقولهم، ولطفت أذهانهم مع مشاركة زحل في صحة النظر، وبعد الغور؛ فكانوا لهذا حيث هم من صفاء القرائح، وسلامة التمييز، ولهم التحقيق بعلوم العدد، والأحكام لصناعة الهندسة، وحركات النجوم وسائر العلوم الرياضية.
وهم أعلم الناس بصناعة الطب وأبصرهم يقوى الأدوية وطبائع المولدات المحمودة.
وهم مجموعون على التوحيد والتبرئة عن الإشراك. والصابئة هم جمهور الهند ومعظمهم.
[[أمة الفرس]]
وأما الأمة الثانية - وهم الفرس - فأهل العز الشامخ، والشرف الباذخ، أوسط الأمم دارًا، وأشرفها إقليمًا، وأسوسها ملوكًا، ولا يعلم أمة دام لها الملك مادام لهم.
[[أمة الكلدان]]
وأما الأمة الثالثة، فهم الكلدانيون، ومنهم النماردة ملوك بابل، وهؤلاء هم النبط.
[[أمة اليونان]]
وأما الأمة الرابعة، فهم اليونانيون. وكانت أمة عظيمة القدر في الأمم، طائرة الذكر في الآفاق، فخمة الملك منهم: الإسكندر بن فيلبس المقدوني؛ المعروف بذي القرنين، هذا الأصح من أمره، ولا اعتبار بما ذكره الفردوسي: من أنه ابن دارا - أحد ملوك الفرس - وذكر تلك الخرافة: ان دارا كان تزوج بنت قيصر فحملت منه ثم كرهها لتغيير فمها، ثم ردها إلى أبيها فولدت الإسكندر فحسب منهم، وإنما هو ابن دارا من الفرس؛ فإنَّ هذا ليس بشيء وما أراد قائل هذا به إلا تعظيم الفرس حسدًا أن يكون مثله من غيرهم.