فلما رأوا النار وسمعوا الخطاب سجد جميعهم على الأرض، وارتفعت النار، وأكلوا من تلك الذبائح والقرابين ومما على الخوان من الخبز والحلوى.
ومن ذلك الوقت صيروا أفريدون ملكًا عليهم وسموه السلطان الأعظم.
قال: وكان كلما دهمهم أمر يعجزون عنه يقرب أفريدون القرابين فتنزل روحانية عطارد عليها وتحرقها وتدفع عنهم ذلك الأمر على زعمهم.
وعظم شأن أفريدون عندهم وهابوه واستوزروا وزيرًا ولقبوه خواجاهان وتفسيره «إستاذ الدنيا»، وفوض إليه تدبير دولته فدبرها تدبيرًا حسنا وساس الناس سياسة جميلة.
ثم من بعد ذلك كان أفريدون يسير من مدينة إلى مدينة، ومن مملكة إلى مملكة، فمن أطاعه، أحسن إليه، وأقره على ما في يديه، ومن عصاه، قاتله وأخذ بلاده واستولى على جميع ممالك العجم، واجتمع له ما يزيد على مائتي ألف فارس، وصار له من الأولاد ثلاثة وعشرون ولدًا ذكورًا غير الإناث وجعل ابنه الأكبر شهريار ولده ولي عهده في المملكة وبعده ولده الثاني ماهان، وبعده ولده الثالث، وكذلك إلى آخرهم.
[[ابراهيم الخليل بن تارح]]
ثم إبراهيم الخليل ﵇ كان يعبد الله تعالى، ولم يعبد معبودات الأمم فأوحى الله تعالى إليه بأن يخرج من الأرض التي هو مقيم بها إلى الأرض التي أمره الله بالمصير إليها فخرج من حران وعمره خمس وسبعون سنة وأخذ معه زوجته سارة ولوطًا ابن أخيه، وجميع ماله وسار إلى أرض كنعان وقال الله: إني أعطي نسلك هذه الأرض. وارتحل حتى نزل البرية ووقعت مجاعة عظيمة فانحدر إلى مصر ومعه زوجته ولوط - ابن أخيه - ونسوانهم وغلمانهم، فأحسن إليهم فرعون، وخرجوا من مصر وارتفعوا إلى البرية، وكثرت مواشيهم، فتشاجر رعاة مواشي إبراهيم مع رعاة مواشي لوط ابن أخيه فقال إبراهيم: اعتزل عني، فانتقل لوط وسكن سدوم. وكان أهلها خطاة. وبلغ إبراهيم أن ملوكًا دخلوا الأرض واستباحوا مواشي سدوم واستاقوا لوطًا وماشيته فأخذ إبراهيم غلمانه والفتيان الذين في بيوته وعدتهم ثلاثمائة وثمانية عشر رجلًا وسار إليهم وقاتلهم واستردَّ الجميع وعاد فخرج إليه ملكين آداق الكاهن وتلقاه وبارك له وأخرج إليه خبزًا وزادًا، وأدى إليه إبراهيم العشور عن جميع ما كان معه.
وخرج ملك سدوم وتلقاه إبراهيم، وقال له: ادفع إليَّ الأنفس وخذ المواشي، فقال إبراهيم: قد حلفت بالله أني لا أخذ شيئًا سوى ما أكل الغلمان وبعد ذلك نزل وحي الله على إبراهيم، فقال إبراهيم: ما الذي تعطيني وأنا خارج من الدنيا بغير نسل، ويرثني غلامي؟ فأوحى الله إليه: لا يرثك غلامك بل ابنك الذي يخرج من صلبك، وقالت سارة لابراهيم: إنَّ الله قد حرمني الولد فادخل على أمتي هاجر لعلي أتعزى بولدها، فسمع منها إبراهيم وضاجع هاجر فحبلت وأردت بسيدتها فأهانتها فهربت فلقيها ملك من الملائكة في البرية وقال لها: عودي إلى سيدتك وتعبدي فسيكثر الله