وفي أيام تارح غزا ملك بابل الأرض التي كان تارح مقيمًا بها فخرج إليه حصرون - أخو تارح - فحاربه وقتله، وبطل الملك من بابل.
وفي ذلك الزمان انتقل إلى نينوى والموصل، وبعد ذلك خرج تارح من خراسان ومعه إبراهيم وناحور ولوط أولاده ونسوانهم وسار إلى حران وسكن بها، ومات تارح بحران في أيلول وعمره مائتا سنة وخمس سنين.
وفي ذلك الزمان ملك أفريدون خراسان وما والاها من ممالك العجم.
قال روز بهار بن أسباوون في تاريخه: إن أفريدون ملك جميع ممالك العجم واستولى عليها خمسًا وتسعين سنة؛ وذلك بعد انقضاء أربعمائة سنة من ملك النمرود الجبار.
قال: وكان أفريدون أولًا من أكابر أهل فارس، وكان له اشتغال كثير بعلم النَجامة، وأنه وقف لعطارد إذ كان عندهم صاحب تدبير إقليم فارس فصام سبع سوابيع كل يوم إلى بعد المغرب. وكان يتغذى من نبات الأرض، ولا يأكل شيئًا من الحيوان ولا مما يتولد منه.
قال: وبعد ذلك ظهرت له روحانية عطارد على زعمهم، وقالت له: إنَّ عبدتموني أنت وجميع هذا الإقليم وسجدتم لي، وقربتم القرابين وذبحتم الذبائح لي فدفعت عنكم جميع المضار والبلوى والآفات والوباء وسائر الأمراض وجلبت لكم الأمطار في أوقاتها وأرخصت أسعاركم وحفظت أولادكم ونسوانكم ومواشيكم ونصرتكم على أعدائكم وبلغتكم أغراضكم في ما تقصدونه.
قال: فاجتمع أفريدون بأكابر أهل فارس وأخبرهم بذلك، فقالوا: نريد أن نشاهد هذا الأمر حتى نكون على يقين من الموافقة عليه والدخول فيه.
قال: وفي الليلة الثانية عادت روحانية عطارد إلى أفريدون، وقالت له: إذا كان الغد تعمل وليمة عظيمة ويكون الخبز الذي يعمل على الخوان من الدقيق الخالص من لب الحنطة، ويكون ملتوتًا بالعسل والسمن، ويعمل على الخوان من الحلاوات كذا وكذا. وتبني مكانًا مرتفعًا مربعًا وتذبح عليه من الحيوانات كذا وكذا، ويجتمع أكابر المدينة ومشايخها، وأنا أظهر لكم في شعلة نار وأحرق الذبائح والقرابين وأخاطبكم بحضورهم ليطيعوك في كُلِّ ما تأمرهم به.
فلما كان من الغد عمل كما أمر به، وجمع أكابر المدينة ومشايخها فنزلت روحانية عطارد شبه شعلة نار وأحرقت الذبائح والقرابين، وخاطبت أفريدون بمثل الكلام الأول وجميعهم يسمعون، وسمعوا صوتًا خرج من النار، وقال: إنَّ إفريدون خليفتي عليكم، فمهما أمركم بشيء تطيعونه وتسمعون منه.