للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال وهب: أقام داود صدرًا من زمانه على عبادة ربه ورحمته للمساكين. وكان قل أن يكون يوم إلا وهو يخرج منكرًا لا يعرف فإذا لقي القدام، سألهم عن مقدمهم، ثم يقول: أرأيتم داود النبي؟ كيف حاله مع أمته؟ وهل تنقمون من أمره شيئًا؟ فيقولون: لا، هو خير خلق الله ﷿ لنفسه ولأمته حتى بعث الله ملكًا في صورة رجل قادم فلقيه داود فسأله عما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا، قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين.

فعند ذلك نصب داود إلى ربه في الدعاء: أن يعلمه عملًا بيده يستغني به ويغني به عياله فألان الله ﷿ له الحديد، وعلمه صنعة الدروع وعمل الدروع، وهو أول من عملها؛ فإذا ارتفع من عمله درع باعه فتصدق بثلثها واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق بها يومًا بيوم إلى أن يعمل غيرها.

وقال: إنَّ الله ﷿ أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت. كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحوش وتصغي إليه حتى تؤخذ بأعناقها وماتنفر، وماصنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد. وكان إذا فتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان أعطي سبعين مزمارًا في حلقه، وكان قد هون عليه القرآن، وكان يأمر دابته فيكمل القرآن حين يقدم إليه.

وقال هشام بن عروة: كان داود النبي يخطب الناس وهو نبي، وهو يعمل قفة، ويقول لبعض من يليه: اذهب فبعها.

قال أبو الزاهرية: كان داود النبي يعمل القفاف فيبيعها ويأكل ثمنها. وكان موسعًا عليه.

وقال ثابت البناني: كان داود قد جزأ ساعات الليل والنهار، فما تم ساعة إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، يعمهم الله تعالى في هذه الآية ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١).

قال مسعر: لما قيل لهم: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ لم تأت على القوم ساعة إلا ومنهم مصل.

قال ثابت: كان داود يطيل الصلاة ثم يركع، ثم يرفع رأسه، ثم يقول: إليك رفعت رأسي يا رافع السماء نظر العبيد لأربابها.


(١) سورة سبأ: الآية ١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>