قلت: ولو طالع الإنسان الكتب المصنفة في أحوال البلاد وماعليه ثم سار في الأرض لحمل تلك الكتب على المخاريق الباطلة؛ لأنه لا يجد المعاينة مثل السماع، وما الأمر إلا كذلك. ولا تضمنت تلك الكتب كلها الباطل المحض وإنما الدنيا تتغير بتغير سكانها، وتختلف أحوالها باختلاف الزمان: وتلك الأيام نداولها بين الناس.
ولهذا لا أتكلف ذكر ما قدم عليه العهد من سالف الدهور والآباد، وأتعرض لمغربات الأخبار بل ولا أبعد بذكر ما نأى مكانه، وقل عيانه؛ فأقول: لو رأيت بلاد السيسان وأبواب الأندلس، والأعلام المنصوبة تحت الأصنام النحاس في الشرق والغرب، ولا المتوغل في الظلمات ولا الخارج عن حيز المعمور؛ وإنما أذكر ما هو قدام عيون أكثر السفار وغالب الجوال، فأقول: ولو مررت على منازل عاد وسكان الحيرة وبلاد برقة، لرأيت عجائب الآثار ولم تستغرب غرائب الأخبار، ولا عجب في ذلك مع تقادم الليالي والأيام؛ وإنما العجب لحران والرها وسروج؛ ولعل ما انتقلت لقرب المدى رحل سكانها؛ وهي الآن على ماتراه، وتبكى عليه دمًا لا دمعًا دورًا وأسواقًا ومساجد ومآذن وبساتين وغيطان خالية من الأهل والسكان، بقيت جسومها وذهبت نفوسها.
هذا وما بالعهد من قدم وإنما أجلى أهلها الملك الظاهر بيبرس خوف التتار ثم لم تعد تسكن في كرة، ولا عدت في الأحياء مرة.
ولقد حدثني جماعة من العرب: أنَّ في مفازات السماوة آثار مدن وقصور ومصانع ماء تدل على أنها كانت مساكن أمة من الناس، وهي اليوم بر أقفر لا ماء به ولا مرعى، ولا يقدر المسافر يعبر به الأجواز والماء محمول معه على ظهر الإبل.
وحدثني أوران الحاجب، وأبو القاسم البصراوي، ومحمد بن هلال أمير زبيد كل منهم في مجلس. قالوا: إنَّ ثدي حوران منه مقاسم ماء إلى جهة البر المقفر آخذة إلى جهتي القبلة نظير المقاسم الآخذة إلى حوران في جهتي الغرب والشمال.
وتلك المقاسم مقسمة في البر المقفر مثلما هذه الأخرى مقسمة في العامر الأهل تمتد في أودية ثم تنقسم في أودية لطاف كأنها كانت لبلاد هناك عامرة آهلة مثل حوران.
وهذا ثدي حوران هو قليب حوران يقع به الثلج وينبت عليه، وإذا أثلج تباشرت أهل حوران بالري والخصب، ويقال: إنه هو الريان الذي عناه جرير بقوله (١): [من البسيط]