وحبذا نفحاتٌ من شاميةٍ … تجيءُ مِنْ قِبل الريان أحيانا
وحدثني القاضي محمد بن غار البصراوي؛ وهو ممن قتل تلك البلاد خُبرًا وقلب أرضها بطنًا وظهرا. قال: قليب حوران كثير العيون تسقي كل عين أرضًا خاصة بها زرع مباقل، ولا تحمل أن يمتد نهرًا ولا يسقي كثيرًا.
وإذا تغشى الثلج القليب، مدَّ الأودية سبعة مغربة إلى حوران، وسبعة مشرقة إلى البر؛ فأما ما هو إلى حوران فينقسم في أوديتها، ويتفرع إلى قراها فيملأ بركها وآبارها ويسقي مواضع من مطوحها المستفلة وأرضها الواطئة.
وأما ما هو إلى البر، فانه بعد تقسمه يجتمع في واد واحد على مسافة يوم عن القليب مأخذه في بر معطش حتى يصل إلى أرض تعرف في وقتنا برحبة عنزة بنزلها عرب عنزة يكون مقدارها ثلاثة أيام فيطوف الماء بأرضها، ويزرع شكائر يزرعها من ينتجح إليها ويخصب خصبًا لا يكيف مثله يستغله الزراع وعرب عنزة.
ثم ينصرف الماء إلى لجاة سوداء تحد تلك الأرض على طرف البر العريض، ويبحر هناك في مواضع من اللجاة حتى تكون عميقة في بعضها قريب ثلث قامة وأقل وأكثر.
قال: وفي تلك اللجاة تدخر عنزة فاضل زرعها في مطامير لا تقصد ولا يهتدى إليها. وقد كانت هذه في قديم الزمان بلادًا مسكونة، وأوطانًا محبوبة أيام آل جفنة، وآل غسان ومن قبلهم ممن كان فأين تلك البلاد؟ وأين سكانها؟ لم يبق منهم عين ولا أثر، ولا مخبر منهم ولا خبر، فهل تحس منهم من أحدا، أو تسمع لهم ركزًا.
ولقد مررت بالصعيد بمصر في حاجر الرمل بالجانب الغربي فرأيت بها من آثار المدن والقرى ما لا يعد أضحت اليوم رسومًا بالية، وفي بعض هذا دليل على ما قلنا، وتصديق لما قدمنا.
وخلاصة الأمر أنه لم يبق بلد على حاله، ولا خالصًا لصليبة أهله ولو فحصت عن حقائق الأنساب لوجدت كثيرًا من العرب عجمًا، وكثيرًا من العجم عربًا؛ غيرهم الزي والبلد.
وهؤلاء آل فضل وآل مراء ينتسبون إلى جعفر بن يحيى البرمكي؛ وهم اليوم عرب الشام، وأهل باديته؛ وهم صليبة العجم؛ فلما نازلوا طيًا صاروا يعدون منهم في طي ان صح أنهم من جعفر بن يحيى.
وبعض أكابر أمراء الترك بمصر من بني كلاب نسبة إليهم، وأصله منهم وهو جنكلي بن الباب؛ وبذلك أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد ﵀.