وهكذا كان فعل الملك المنصور قلاوون لما فتح طرابلس الشام هدمها وبنى مدينة أخرى تقاربها، ونقل إليها الأمم والرسم. وكان قصده في هذا انَّ الأولى داخلة في البحر تتحكم عليها مراكب العدو إذا قصدوها، وقد لا يقدر من فيها على المنع لغفلة الغافل، واختلاس مختلس.
والمدينة الثانية التي بناها خارجة في البر لا يتحكم البحر عليها، ولا تصل يد العدو إليها.
فانظر إلى مقاصد الملوك ومقتضى آرائهم في ذلك؛ ولهذا تكلمنا على ما هو عليه الحال على مقتضى زماننا؛ وهو أن من قواعد الملك في زماننا بالهند ودلي، وبتركستان وما وراء النهر قوشى، وبإيران توريز، وبمصر قلعة الجبل، وباليمن تعز، وبإفريقية تونس، وبالعدوة فاس، وبالأندلس غرناطة.
ولو نظرنا إلى ماكانت عليه الأحوال لوجدنا بهذه الممالك عدة مدن كان يشار إليها بالتعظيم، ولم تكن هذه البلاد شيئًا مذكورًا؛ فإنَّ بالهند قواعد كثيرة كانت للكفار ثم لملوك الإسلام.
ومن أجل قواعدها القديمة المهراج. كانت نبيهة الذكر، وولي خاملة، فنبه ذكر دلي وخمل المهراج وماسواها.
ووجدنا بمملكة تركستان وماوراء النهر أحد قسمي بوران بخارى وسمرقند وغزنة؛ وكل واحد منهما دار ملك، وسرير سلطنة فنبة ذكر قرشي، وخمل ما سواها على أنَّ قرشى لاتعد من المدن في شيء. ولا يكاد يكون جدارًا يمتد له في.
ووجدنا ببلاد خوارزم والقبجاق أحد قسمي توران اركنج أم أقليم خوارزم، وما الذكر إلا للسراي.
وقد كانت خوارزم في أيام السلاطين بها نبيهة الذكر، ومعظم الأرض ومن عليها خامل بالنسبة إليها حتى أن صاحبها لم يرض إلا بمماثلة الإسكندر ذي القرنين فأبطل النوب الخمس اللاتي كانت تضرب للملوك، وضرب نوبة ذي القرنين عند مطلع الشمس ومغيبها، وكانت سبعة وعشرين دبدبة من الذهب مرصعة بنفائس الدر والجواهر، وضرب له بها أولاد الملوك الأكابر. وما كان يزيد الخليفة في مكاتبته إليه على خادمه المطواع، ولم يكتب لأحدٍ من الملوك اسمه في كتاب، وإنما كان يكتب إليهم علامته تعاظمًا أن يكتب إليهم اسمه، وبلغ من أمره إلى أن صار من غلمانه عدة ملوك بأقاليم حتى كان طست داره صاحب أقليم.
وعمل رنكه طستًا وابريقًا ومن هذا ومثله، ومنده بنى بركة السراي، لم يبق قاعدة الملك إلا للسراي.
ووجدنا بمملكة إيران عدة قواعد جليلة كأم الدنيا بغداد بعراق العرب،