فأما قصد عمر ﵁ ببناء الكوفة فالشفقة على الصحابة ﵃ لأنها بادية متصلة بأوطانهم شبيهة بالبر خوفًا عليهم من توعك العراق لوخامة نقائعه و آجامه حتى بعث يقول لسعد بن أبي وقاص: الله الله في بقية أصحاب رسول الله ﷺ.
وأما قصد الحجاج في بناء واسط، فهو التوسط بين المصرين؛ البصرة، والكوفة.
وأما قصد المنصور في بناء الهاشمية ثم بغداد، فلضيق الأنبار ومخالفة بني أمية في سكن دمشق، وخوفًا أن يثب عليه بقايا شيعتهم بها؛ فبنى الهاشمية.
ثم لما ثار عليه بها الراوندية الذين ادعوا فيه الحلول وقاتلوه، وقالوا: نريد نخلص منكم اللاهوت لناسوت يستحق أن يكون فيه، خافهم وبنى بغداد.
وأما قصد المعتصم في بناء سامرة فلشكوى الرعايا من عبث جنده الأتراك فيهم فأراد أن يكون هو وجنده في عزلة عن الرعايا؛ ولهذا كانت تسمى العسكرية؛ ولهذا يقال للإمام - أحد الأئمة الاثني عشر - العسكري لسكناه بها.
وأما قصد الواثق والمتوكل في بناء الهارونية والجعفري، فهو لمجرد محبتهما لبقاء الاسم، ودوام الذكر؛ ولهذا بنى عبيد الله المهدي أول الفاطميين المهدية بافريقية واتخذها قاعدة له.
ثم لما آل الأمر إلى المعز أبي تميم من أبنائه وحاز ملك مصر آثر الانتقال إليها فلم يرض سكن الفسطاط فأمر القائد جوهر ببناء مدينة له فبنى له القاهرة. وكانت قاعدة له إلى آخر أيامهم حتى خلع صلاح الدين العاضد وأقام بها الدعوة العباسية، ثم كانت - كما نبهنا عليه - قاعدة له.
ثم كره مخالطة العوام فأمر ببناء قلعة الجبل ولم يسكنها حتى ملك أخوه الملك العادل أبو بكر فسكنها.
ثم لما ملك ابن ابنه الملك الصالح بن أيوب بن الكامل بني قلعة الجزيرة الملاصقة للمقياس بين فرقتي النيل وسكنها، ثم عاد بعد الملك إلى قلعة الجبل إلى الآن.
كُلَّ هذا في أقرب المدد فكيف بما دارت عليه الأدوار ومضت عليه القرون؛ ولكل زمان مصلحة، ولكل نفس هوى.
وهذا صلاح الدين قد خرب عسقلان خوفًا أن لا يملكها الفرنج مرة أخرى، وأحيا ذكر غزة.
والملك الظاهر بيبرس لما فتح صفد عظم أمرها إخمالًا لعكا؛ فلما فتح الملك الأشرف عكا، خربها من البحر، وأتم لصفد التعظيم.