وهذه بخارى كانت قاعدة السلطنة زمان بني سامان ثم صارت غزنة زمان محمود بن سبكتكين وبنيه؛ فلما جاءت الدولة السلجوقية اتخذت همدان قاعدة لسلطانها.
فلما صارت إلى الخوارزمية اتخذوا أركبخ - وهي أم أقليم خوارزم - قاعدة لسلطانهم.
وقد كان الملك العادل نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكي ﵀ قاعدة ملكه دمشق، ثم ملك مصر بانتزاع جيوشه المجهزة مع أسد الدين أبي الحارث شيركوه من الخلفاء الفاطميين على يد ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين أبي المطفر يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى.
وماهم الشهيد نور الدين بالانتقال إلى مصر فضلًا عن أنه يفعل بل لما ظهر له أنَّ صلاح الدين يسر حسوًا في ارتغاء يظهر له الطاعة ويبطن عليه الخلاف هم بقصده على أن يستبدل به ثم يعود إلى دمشق، فجاءت المنايا دون الأماني، ولم يتزحزح عن مكانه، ولا انتقل عن قاعدة سلطانه.
ثم لما مات واستقل الملك الناصر صلاح الدين بالملك مصرًا وشامًا، ثم اتسع سلطانه حتى اشتمل على اليمن وكثير من ديار بكر والجزيرة واتصلت أطراف ملكه بشهرزور من جانب وبالروم من آخر لم ينقل قاعدة الملك له عن مصر. وكان سكنه بالقاهرة في القصر بها، ويغيب المدد الطويلة بالشام وديار بكر ومصر هي قاعدة الملك.
وهكذا إذا اعتبرت أحوال البلاد، تجد السعادة قد نظرت هذه مرة ثم تلك أخرى كمن قال:[من الكامل]
وإذا نظرت إلى البقاع رأيتَها … تَشْقَى كما يشقى الرجال وتُسعدُ
ولم تزل الملوك تخرب مدينة وتبني أخرى إلى جانبها أو بعيدًا عنها تارة لما تقتضيه المصلحة وتارة لغرض آخر؛ إما لإيثار الذكر أن يكون لها أو غير ذلك، أوليس أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ببناء الكوفة فسكنها أميره على العراق سعد بن أبي وقاص ﵁ وترك المدائن؛ وهي قاعدة ملك الأكاسرة؟
وبنى الحجاج بن يوسف واسط، ولم يسكن الكوفة. وبنى المنصور بغداد ولم يسكن الأنبار، وبنى المعتصم سامرة، وبنى الواثق الهارونية، وبنى المتوكل الجعفري، قد ذكرنا بعض ذلك.