حادثًا كان محل التغيير. فسبحان الله القديم الباقي الذي لا يتغير ولا تدركه الحوادث.
وقد قدمنا القول: إنا نتكلم في أمر البلاد وأهلها على حال زماننا لا على ماكانت عليه ولا نصًا بقول قائل: لم ذكر المدينة الفلانية وماذكر المدينة الفلانية والتي لم يذكرها أكبر أو أكثر، أو أقدم، أو أعظم، أو قاعدة الملك الأصلي فإنَّ قواعد الملك تنقلب في كل مملكة كانت قاعدة الملك، ومرة هذه المدينة ثم صارت مرة تلك الأخرى على ما اقتضته تلك الأوقات، وآراء تلك الملوك. ونحن نذكر هنا ما نستدل به على ما ذكرنا لندفع اعتراض من يعترض فنقول: إنَّ قاعدة الخلافة أول ماكانت المدينة الشريفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام مدة أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله - فلما انتهت الخلافة إلى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - انتقل من المدينة إلى الكوفة واتخذها قاعدة خلافته، وربما استوطن البصرة، وجاء ابنه الحسن ﵇ المديدة التي أقامها، والكوفة قاعدة خلافته على ما كان عليه أبوه.
وقد كان معاوية بدمشق أميرًا من قبل عمر وعثمان؛ فلما بويع علي ﵁ ونازعه معاوية في الأمر، ودعا إلى نفسه بالخلافة كان بدمشق.
ثم لما سلم إليه الحسن بن علي ﵉ لم ينتقل منها إلى المدينة كما كان الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، ولا إلى الكوفة كما كان علي والحسن، فانتقلت قاعدة الخلافة إلى دمشق، واستقرت قاعدة لبني أمية، وإن كان هشام قد اتخذ الرصافة مقامًا له، وعمر بن عبد العزيز ﵁ خُنَاصِرة (١)، فانهما لم يكونا قاعدتي خلافة؛ لأنهما سكناها غير مفارقين لدمشق، بل هي القاعدة والمعتد بأنها مستقر الخلافة، ولم تزل على هذا الحال إلى آخر الدولة الأموية؛ فلما غلب عليهم بنو العباس، وملك أبو العباس السفاح اتخذ الأنبار دارًا له وسكنها.
فلما ولي أخوه أبو جعفر المنصور بنى الهاشمية وسكنها ثم بغداد وانتقل إليها؛ فصارت قاعدة الخلافة له ولبنيه بعده إلى أن انتهت الخلافة إلى أبي إسحاق المعتصم فبنى سر من رأى - وهي المسماة على ألسنة العوام سامرة - فانتقلت قاعدة الخلافة إليها.
ثم لما ولي ابنه هارون الواثق، بنى إلى جانبها الهارونية فانتقلت قاعدة الخلافة إليها.
ثم لما ولي أخوه جعفر المتوكل بنى إلى جانبها الجعفري، وانتقلت قاعدة الخلافة إليه.
(١) خُنَاصِرة: بليدة من أعمال حلب، تحاذي قنسرين، نحو البادية وهي قصبة كورة الأحص باسم الذي بناها «معجم البلدان ٢/ ٤٤٦ مادة (خناصرة)».