للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فتأمل - رعاك الله - هذا البون العظيم بين هذه الفرق ومنابت أصولهم إن صحت دعواهم، ومثل هذا لا يستبعد.

ويكفي من أبصر وسمع كيف اضطربت الأرض بأهلها أيام جنكزخان وبعده من الصين إلى أقصى الشام بخراب الديار، وقلع الآثار، وعموم القتل في سكان الأرض إلا من نجا بنفسه وفرَّ إلى أرض بعيدة وبلاد شاسعة.

وساق الخوف الحفال (١) إلى مصر فالقوا عصاهم واستقرت بهم النوى حتى نصر الله الإسلام - بعين جالوت - على التتار، وانكشف ظلمهم عن الشام، وضربت الغزاة بيننا وبينهم بسور، وصارت حدًا بين ما غلبوا عليه، وما بقي من ممالك الإسلام بمصر والشام.

وهم اعتى التتار في تلك السنين على الجد في طلب ما بقي فاستوطنت الحفال مصر وسكنوها فرارًا من مجاورة التتار، ولو أمكنهم أن يعدُّوا لمغرب الشمس من شدة ما حصل لهم من الخوف لفعلوا.

ثم لم تحدثهم نفوسهم بالانتقال من مصر حتى ولوا إلى الشام لإطلال طلائع التتار عليهم في كل ساعة من تلك الإيام.

ثم ماتت تلك الحفال ولم يبق إلا أولادهم وأولاد أولادهم، فلم يعرفوا لهم وطنًا سوى مصر، ولا بقي أحد منهم إذا سألته عن نسبه يقول: إلا مصري وهم من بخارى أو سمرقند أو خجند أو خوارزم.

ومنهم من نسي ومنهم من تناسى لم يعرف سوى المكان الذي هو به. وإذا كان الأمر على هذا فلم يبق معنى لتخصيص ذوي نسب بسكن مكان دون آخر، بل كان في أقليم من عموم الناس وأنواع الأجناس.

وقالت الحكماء: لو سكن صقلبي جصي اللون في نهاية البياض والشقرة بلاد الجنوب وأولد بها ثم أولد ولده ولدًا، جاء البطن السابع أسود مثل أهل الجنوب. وكذلك لو سكن زنجي محترق في غاية السواد والقشف بلاد الشمال، وأولد بها ولدًا. ثم أولد الولد ولدًا جاء البطن السابع أبيض أشقر خصيبًا مثل أهل الشمال؛ وقد نقل اختلاف الألوان لسبب آخر غير البلدية.

قلت: وأحوال البلاد كأحوال الناس تختلف بحسب الأوقات؛ لأنه لما كان الكل


(١) الحفال: الجمع العظيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>