فشرب من نهله، وصحب كبار أهله، ثم أعار هذا الشأن يحط مجانبه، وأعرض عنه ونأى بجانبه، وحضر المدارس مستديرًا في حلقاتها، مستدرًا من نفقاتها، فنقل عن أئمة الفقهاء، وتنقل إلى الانتهاء، واستحق أن يطلق قلمه، ويقيد عنه ما علمه، وتوقل صهوة الخطابة، فأشرقت نجودها، وأورقت كل الخزامي نبات طل نجودها، فأسمع حكمًا، وداوى صممًا وبكمًا، وطبع منها زبرًا أقرع بها رؤوس الأشهاد، وقطع بها نفوس ذوي الإلحاد، وأبدى منها عرائسًا مجلوة، ووصل غرايب مجفوة. وهو الآن بدمشق فريد خطبائها، ووحيد أدبائها، مع أنه بها من أعلام الفقهاء، وفي أعلى درج الفقراء، أخذ الفقه عن شيخنا ابن القرطاح وابن قاضي شهبة (١). والنحو عن القحفازي. وعلم البيان عنه وعن شيخنا أبي الثناء الكاتب والأدب عنه وعن شيخنا الكندي، والتاج اليماني، ولازم دروس الشيخ المصري، وساكنه في العادلية الصغرى، وازداد به انتفاعًا وعلوًّا وارتفاعًا، وله عيون في فنون الأدب نظمًا ونثرًا وقصائد ومقطعات. وفوائد مبصرات ومسمعات إلى بقية أفانين النظم والموشحات والرسائل النفحات، مع ما له من سرعة البديهة (٢)، والتندر في الأجوبة والتملح المستعذب إلى خفة روح، ونوادر يجيء بها ( … .. )(٣) على الفتوح، ولهذا حظي بالقبول، وعُدّ كلامه المرقص المطرب من القبول، وهو ممن صحبناه، وجلابيب الصبى جدد، وطلق الشباب مدد، واللمم ما عممت بالقتير، والهمم ما طال زمانها القصير، وحمدناه بعيدًا وقريبًا، ووردناه بحرًا وقليبًا، ولم نعتب عليه شيئًا ولا عتب. وقلت له في هذا التأليف فكتب ما صورته:
هذه خطبة أنشأتها وخطبت بها في الجامع الذي أنشأه ولي نعمتي ونعمة كل أديب، الضارب في كل علم بسهم مصيب، أوحد الأئمة الأعلام، رئيس البلدتين مصر والشام، الذي سبق الأوائل، وأتعب الأواخر وتحقق بتمامه قول أبي تمام:
(كم ترك الأول للآخر) وهو القاضي السعيد والوزير السديد أبو العباس شهاب الدين أحمد بن القاضي الشهيد محيي الدين يحيى بن فضل العمري العدوي القرشي، كافل الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية، جلس الله حبّه على القلوب، والبس حزبه لباس النصر المرهوب، فهو الذي أخرجني من دائرة الشعر في هذا الأوان، وأعلاني على منابر الذكر فأغلاني بعد الهوان، وفيه أقول من كلمة امتدحته بها:
(١) كمال الدين أبو محمد عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي الشهبي الشافعي، المتوفى بدمشق سنة ٧٢٦ هـ. (البداية والنهاية ١٤/ ١٢٦). (٢) في الأصل: البداية. (٣) كلمة غير مفهومة.