للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وآخر خطباء تلك البلدة الأمينة، جار سيد ولد عدنان، وجاني ما طاب من تلك الجنان، وراقي ذلك المنبر المشرف، وراعي ذلك المحراب المعرف، ولد بتلك البقعة، وولي المنبر بها، فارتقى إلى تلك الرفعة، وأسمع بخطبة نزلاء ذلك الحرم، وبذلك ما عنده لضيوف ذلك الكرم، وأحمد الرواد تلك الروضة المنتجع، ولو راد تلك المناهل المرتجع، فوقف عليه الركائب، وصرفت إليه الرغائب، فقبسوا من وريها ورودًا، حديث الخصب عن مطريها، وقد تواتر على الألسنة، وتداول بأقوال الحجيج في كل سنة، أنه طالما أبدع من الخطب، ما فطر وأبدى العجب على لسان راع من بني مطر.

ومنه قوله:

الحمد له جاعل الصدور لودائعه مقيلًا، وناظم الأمور بصنائعه إجمالًا وتفصيلًا، وناصب أسباب الحكم على وحدانيته دليلًا، وقاهر الأرباب والأمم جيلًا جيلًا، الذي غمر عباده كرمًا جزيلًا، وأسبل على من أطاعه من الرحمة سترًا جميلًا، وفرض حج بيته الحرام على من استطاع إليه سبيلًا. أحمده حمدًا يكون للنعم رسيلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يبوء قائلها ظلا ظليلا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي أنزل عليه الكتاب تنزيلا، أرسله ونادي الإيمان قد عاد ضئيلا، ووادي البهتان قد وجد مسيلا، والأمة تسترشد من تريد تضليلا، فلم يزل مجاهدا في نصرة الحق بكرة وأصيلًا، وينضى ركائب الجد إيجافًا وذميلا، وينتضي من الإنذار عضبًا صقيلا ويعتقل من البيان ذابلا طويلا، حتى عاد ربع الباطل محيلا، ورسم الشرك نحيلا، وغرب الغي كليلا، وأعلنت الألسن بذكر الله تكبيرًا وتهليلًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١).

أيها الناس، إن الله ﷿ أصدق قائل، وأوثق كفيل يدلكم إلى خير سبيل وذلكم في محكم التنزيل على لسان الحبيب والخليل، فقال : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٢)، فاشكروا نعمة الله عليكم وإحسانه العميم إليكم، وما منحكم به من حج بيته الحرام، وأداء مناسكه العظام، وزيارة نبيه محمد عليه أفضل


= سنة ٦٧١ هـ وولي نيابة القضاء بها، وألف بها تاريخًا سماه (التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة. ط) توفي سنة ٧٤١ هـ. انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٣١٥ والأعلام ٥/ ٣٢٥.
(١) سورة الأحزاب: ٢٣.
(٢) سورة الحج: ٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>