من حملك، وعدلت على تقصيرك فما أطعت من عدلك، وأشغلت عن ذكر مصيرك فأضعت أجلك، تنظر في الدنيا بعين مقيم برباعها وأنت راحل، وتبصر حال من أغرقته بأطماعها وأنت منها على ساحل. وتركن إليها وهي بالبلاء محفوفة، وتقبل عليها وهي بالفناء معروفة، فيا ايها الغافل والموت قاصده، والأمل لها والموت من خلال الأمل مراصده، ماذا أراك وهن مشيبك بعد قوة شبابك، وأين من ودعت إلى منازل البلى من أترابك وأحبابك، لقد دعاك من دعاهم، ولكن تقدموا وتأخرت، وأزعجك ما أزعجهم من غير أن أسرعت بهم آجالهم وقصرت.
ومنه قوله:
فأصبحت عرى الورع منفصلة، وظهور الإيمان منقصمة، ومحارم الخلاق مرتكبة، ومكارم الأخلاق مجتنبة، فالنسك سمعة ورياء، والعلم خصومة ومراء، والأديان فجور وكذب، والآيات لهو ولعب، والأمانات خيانة وإنكار والتصرفات ضرر وإضرار، وكل تقتحم النار، ما للغفلات قد أطلت، وما للديانات قد اضمحلت، وما للرغبات في الخيرات قد قلت، وما للنيات قد فسدت، وما للطويات في التقوى قد زهدت؟ حتى كأن الدنيا قد عبدت، أو أنها لم تصدق فيما أوعدت، أو وعدت؟ فبادروا الإمكان قبل اعتراض المنية، وذهاب طمع الأمنية قبل ارتحال الحبيب وإعوال النسيب، قبل اشتغال الودود بالندب والنحيب، واستبدال اللحود عن المنزل الرحيب، قبل صعقة الصيحة لشدة الوجيب، وهجمة الرجعة بالأمر العجيب.
ومنه قوله:
لقد أنذرك الشيب وأنت على غرتك، ووعظك وأنت مقيم على مسرتك، أتخال أنك ستجد من عمرك ما أخلقت؟ أو تثرى منه بعدما أملقت؟ وغدا يعتورك الانتقام بأيديها، وتعدو عليك من سكرات الموت عواديها، وينادي للصلاة على جنازتك مناديها، ويراوح جسمك الهوام ويعاديها، وقد عجل بك الأخوان إلى منزل البلاء والهوان، فرصفوك على الرقاب، ثم نكسوك وأودعوك التراب.
ومنه قوله:
أفلا عازم يرده إلى سواء السبيل نظره؟ ألا حازم يصده عن العذاب الوبيل حذره؟ ألا قلب بنوره يتذكره؟ ألا طرف ببصره تدبره؟ ألا أذن واعية؟ ألا قدم في طاعة الله ساعية؟ ألا نفس لحقوق ربها مراعية؟ ألا سامع لقبول الموعظة لديه داعية؟ قبل أن ينبو بكم المقام، ويعطبكم الداء العقام وترهقكم الأسقام قبل أن تبدد الأعضاء والمفاصل، وتجرد الطلى عن الكواهل، وتطول رقدة الحبيب تحت الجنادل.