الصافي عمّا في قرارته، وتم ضوء البدر بما في دارته، على أنه ما أطرح حلل تلك الألفاظ، ولا أبعد عينها عن مواقع الألحاظ، إلا أنه غير هيئة تفصيلها، ونكّر أحوالها في تحويلها، وهي بادية لمن رأى هندامها المغيّر، وأكمامها المعمولة من فضلات ذيولها لما قصر، هذا مع أنه أجاد في هذا المنحا اللطيف، والرمي إلى هذا الغرض الشريف، رأى بما خلص صوره من ظلمة التكليف بخطب تسربل الدمع، وتستوقف من كان له قلب، أو ألقى السمع.
ومنها قوله:
من ذا سالمها فلم تحاربه، أم من صادقها فلم تكاذبه، أم من ذا أمنها فلم تجبه، أم من أكرمها فلم تهنه، كم عقدت عقدًا ثم حلّت، وكم نقلت نفسًا بفنائها حلت، كم تعلقمت لمسيغها، وعوقت لمبتغيها، فاعتبروا بصروفها، فكم قد أرتكم عبرًا، وتزودوا لبعد الشقة إن أزمعتم سفرًا، واتعظوا بمن راقته حلاوتها، فأذاقته مرارتها صبرًا، ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرًا فكأنكم بها قد تولّت فأدبرت، وبالآخرة قد أدبرت فأسفرت، وبقلائد الأعمار قد وهي سلك نظامها فانتثرت، فلو وقفتم على منازلهم من الأجداث، وناديتم يا سكرى الحمام، ويا مرعى الرغام، أعن يقظة هذا ( ...... )(١) أم منام، ما هنا المقام بأرجاء الرخام، ما هذا الظن حتى برد السلام، لأجابكم ضمائمهم بلسان الحال، ورجع إليكم القول عن رمم بوال، تالله ما اخترنا فراق الأحباب، ولا آثرنا السكني تحت التراب، لكن أعجلنا وشك السفر، وأحلنا بطون هذه الحفر، ونحن فرطكم، وأنتم على الأثر، ونحن سلفكم وأنتم الخلف المنتظر.
ومنه قوله:
أيها الناس، خذوا في تحصيل الزاد قبل أن ترحلوا، وأجدّوا الأهبة للمعاد قبل أن تشغلوا، وأعدّوا صواب المعل قبل أن تسألوا، وشدّوا رحال الارتحال. فإنكم لن تهملوا، وارموا بأنصار النصائر والأفكار في أرجاء هذه الدار، هل ترون إلا عفوًا أقفر من قاطنه، أو ربعًا خلّي من ساكنه، ذهب والله أبناؤها، وخرّب بناؤها، أولئك سوابق سفر أنتم لواحقه، ورهائن أمر ستبدو لكم حقائقه، وسكارى كأس سينغصكم داهقه.
ومنه قوله:
ابن آدم. أملت فطوّلت أملك، وحملت على حظك من الآخرة فما طلب