للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فجعلهم الواثق في الحانتين، وضمّ إليهم خَدَما وعِلْمانا وجواري رومية. وأخدم النساء حانة الحرم، والرجال حانة الشطّ. ونقل إليهما طرائف الشرب، وفرشهما من فرش الخلافة، وعلق عليهما الستور، وجعل فيهما الأواني المُذْهَبَة والدنان المدهونة. فكانتا أحسن منظر وأبهاه.

فلما فرغ منهما، أمر بإحضار المغنين والجلساء. ولم يَدَعْ أحدا يصلح من ضُرَّابِ الطنابير إلا أحضره. وحضرنا، وخرج الخمار، هو وأولاده معه، عليهم الأقبية المسَهَّمَة، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة، ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكيزان والمنازل في الصواني. وأُخْرِجَتْ تلك الدنان المُذْهَبَة، وقد طُيِّنت رؤوسها تطيينا نظيفا، يعبق منه الطيب. فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالسا، فنزلت، كما يفعل في الحانات وجعل يؤتى بالأنموذجات، فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء. فيختار كل منهم ما يشتهيه. فيأخذ دَنَّا. ويجيء إلى الخمار ويكتال منه بمكيال في إنائه، كما يفعل في المواخير، ويعود إلى موضعه فيجلس ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين. فكان أحسن يوم رأيته.

فشرب الواثق شربًا كثيرًا وأمر للخمار بألف دينار، ولزوجته بألف دينار، ولكل واحد من أولاده بخمسائة دينار. ولم يبرح أحد منا إلا بجائزة سنية.

وحكى الحسين بن الضحاك في حكاية له أن الواثق قال له: هل لك في حانة الشَّط؟ قال: فقلت إي والله يا أمير المؤمنين. فقام إليها فشرب هناك وطرب. وما ترك أحدًا من الجلساء والمغنين والحَشَم، إلا أمر له بصلة. وكان من الأيام التي سارت أخبارها، وذكرت في الآفاق.

فلما كان من الغد، غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئًا، إن كنت قلته في يومنا هذا الماضي. فأنشدته: [من البسيط]

يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا … عُودِي بيوم سُرور كالذي كانا

[لا تُفقدينا دعابات الإمام ولا … طيب البطالة إسرارًا وإعلانا]

ولا تَخَالُعَنا في غير فاحشة … إذا تُطربنا الطنبور أحيانا

وسَلْسَلَ الرطل عمرو ثم عم بنا … السُّقْيا فألحق أُخرانا بأولانا

سفيًا لعيشِكِ من عَيْشِ خُصصت به … دُونَ الدَّساكر من لذات دنيانا

قال: فأمر لي الواثق بصلَةٍ سنيّة مجدّدة، واستحسن الشعر، وأمر أنْ يُغَنّى فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>