للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقد أورثَ المِصْرَيْنِ حُزنًا وذِلَّةٌ … قتيل بدير الجائليقِ مُقِيمُ

فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صَدَقْتْ عِنْدَ اللِّقاءِ تَمِيمُ

وحكي أنه كان به غلام أمرد نصراني من أهل الحيرة، يقال له عشير بن إليا الصَّيْرَفي. وكان يتعشقه بكر بن خارجة (١)، وفيه يقول من شعر له (٢): [من الوافر]

أجِرْنِي مُتُّ قَبْلَكَ منْ هُمُومي! … وأرشدني إلى وجه الطريق

فقد ضاقت علي جهاتُ أمْرِي … وأنت المستجار من المضيق

وفيه يقول بيتين يحضرني منهما قوله: [من الرجز]

زِنَّارُه في خَصْره مَعْقُودُ

كأنّه من كبدي مقدودُ

قال أبو الفرج: وكان دعبل (٣) يستحسنه ويقول: ليت هذين البيتين لي بمائة بيت


(١) بكر بن خارجة، شاعر ماجن من أهل الكوفة، مطبوع، طيب الشعر، كان وراقًا ضيق العيش، يتكسب من الوراقة، ويصرف ما يكسبه في الحانات.
ترجمته في: الأغاني ٢٣/ ١٨٩، الديارات ٢٤٢.
(٢) شعره.
(٣) دعبل: أبو علي محمد بن علي بن رزين الخزاعي، ينتهي نسبه إلى بديل بن ورقاء الخزاعي الصحابي الجليل المعروف من الازد، ومن الأسر العربية العريقة في العرب، وقد اشتهر باسم (دعبل). ولد سنة ١٤٨ هـ/ ٧٦٥ م وقضى سني حداثته في الكوفة، وشبَّ على حب الأدب والاختلاف إلى مجالس وأنديه الكوفة، وقال الشعر وهو في مقتبل العمر، وغادر الكوفة إلى بغداد وله من العمر ٢٢ سنة بطلب من هارون الرشيد وكان قد سمع به فأرسل إليه هدية تتألف من عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه مع ركب من مركبه. ثم غادر دعبل بغداد إلى إيران وولي فيها مدينة سمنجان - بلدة من طخارستان - وليها للعباس بن جعفر الخزاعي أو لابنه الفضل بن العباس وكان الأخير واليًا على خراسان من سنة ١٧٣ - ١٧٥ هـ. وتركها دعبل وعاد إلى بغداد وأدى فريضة الحج ومعه أخوه رزين بن علي ومنها شخصا إلى مصر - وكان عليها المطلب بن عبد الله الخزاعي - سنة ١٩٨ هـ وهناك تولى دعبل أسوان، ثم علم المطلب بهجاء دعبل له فعزله عن ولاية أسوان، وعاد إلى العراق. ثم علم أن المأمون أعلن ولاية العهد للإمام الرضا علي بن موسى في (مرو) فشد دعبل الرحال وقابل الإمام هناك وأنشده قصيدته التائية الخالدة فأجازه الإمام بعشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه وبجبة من ملابسه، عاد دعبل مجتازًا بقم - وقد علم أهل قم بجبة الإمام الرضا - فساومه أهل قم على الجبة فامتنع ثم أخذت منه - مكرهًا - مقابل ثلاثين ألف درهم أو ألف دينار في رواية أخرى، مع إعطائه قطعة منها، صارت هذه القطعة فيما بعد في كفنه!.
وكانت لدعبل رحلات متعددة وإلى بلاد مختلفة حتى إنه وصل في بعضها إلى الغرب! أما الملوك الذين عاصرهم من بني العباس فكانوا خمسة أولهم الرشيد وآخرهم المتوكل، وقد هجاهم جميعًا =

<<  <  ج: ص:  >  >>