النسيم فاضطرب. فسألوه العمل في وصفها. فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن العطار الأزدي: [من الكامل]
أعرضن لما أنْ عَرَضْنَ فَإِنْ يكن … حذرا، فأين تلفتُ الغزلان؟
ثم صنع: [من المتقارب]
لها ناظر في ذرى ناضر … كما ركب السن فوق القناة
لوت حين وَلَّتْ لنا جيدها … فأيُّ حياةٍ بَدَتْ من وفاة؟
كما ذُعِر الظبي من قانص … فمر وكرّر في الالتفات
ثم صنع: [من الكامل]
ولطيفة الألفاظ لكن قلبها … لم أشك منه لوعة، إلا عَتَا
كملت محاسنها فود البدر أن … يحظى ببعض صفاتها أو يُنعتا
قد قلت لما أعرضت وتعرضت: … يا مؤيسا، يا مُطعما، قُلْ لي متى؟
قالت: أنا الظبي الغرير وإنما … ولى وأوجسَ خِيفَةً فتلفتا] (١)
- ومن ذلك الأهرام بمصر. وأجلها الهرمان بجيزة مصر. وقد ونـ أكثر الناس القول في سبب ما بنيا له فقيل: «هياكل للكواكب». وقيل: «قبور ومستودع مال وكتب» وقيل: «ملجأ من الطوفان». وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن. وأقربها إلى الصحة - والله أعلم - أنها إما هياكل كواكب، وإما مواضع قبور.
ولقد فُتح أكبرها في زمان المأمون، حين قدم مصر. فلم يظهر منه ما يدلُّ على ما وضع له. وعلى ألسنة الناس أنه وجد ذهبا فوزنه، وحسب مقدار ما أنفقه، فوجدهما سواء بسواء، لا يزيد أحدهما على الآخر بشيء، لعلمهم السابق أنه سينفق عليه مثل هذا المقدار. فوضع هذا المقدار بإزاء ما ينفق عليه. ووجدت هذا في كثير من الكتب.
فراجعت التواريخ الصحيحة والكتب المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد به شيئًا ولا استفاد زائدًا عما يعلم الناس به علما.
وأدلُّ الأدلة على أن أحدها هيكل بعض الكواكب، أن الصابئة كانت تأتي حقيقة تَحُبُّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجلية أحوالها.
وهي أشكال لهبية كأن كل هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة
(١) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل.