مسكنه وناحيته حبري (١). فاشترى منه الموضع بخمسين درهما. وكان الدرهم في ذلك العصر خمسة دراهم. فدفنت سارة فيه. ثم تُوُفِّي إبراهيم فدفن لَصِيقَها. ثم تُوُفِّيَت ربقة زوجة إسحاق، فدفنت فيه. ثم تُوفي إسحاق فدفن لَزِيقَها. ثم تُوُفِّي يعقوب فدفن في الموضع. ثم توفيت زوجته ليقا فدفنت معهم.
فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمن سليمان. فلما بعثه الله، أوحى إليه أن ابن على قبر خليلي حَيْرا حتّى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يُعرف.
فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس، حتّى قدم أرض كنعان. فطاف فلم يصبه. فرجع إلى بيت المقدس. فأوحى الله إليه: يا سليمان، خالفت أمري! قال: يا رب، قد غاب عني الموضع. فأوحى الله إليه: امض، فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض، فهو موضع قبر خليلي. فخرج سليمان ثانيا، فنظر فأمر الجنَّ فَبَنَوْا على الموضع الذي يقال له الرامة. فأوحى الله إليه: إن هذا ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور قد التزق بأعنان السماء. فخرج سليمان فنظر إلى النور قد التزق بأعنان السماء إلى الأرض. فبنى عليه الخير.
قلت: ولم يكن لهذا الحير باب. وإنما المسلمون لما افتتحوا البلد، فتحوا له بابا. وبناؤه بناء محكم. وفي حائطه حجارة هائلة في كبر القدر، منها ما طوله سبعة وثلاثون شبرا.
وقد أقيم بهذا الموضع خطبة، ورتب به إمام ومؤذنون.
وفي قبلته بابٌ يُنزل منه بدرج كثيرة إلى سرداب ضيّق تحت الأرض، يأخذ متشاملا إلى فجوة فيها ثلاث نصائب قبور في حائطه، يقال إنها قبر الخليل وزوجته وإسحاق.
وهناك طاقة لا يُعرف إلى أين تنتهي، لكن يقال إنها إلى مغارة تحت أرض الحرم فيها الموتى. وتلك أمثال القبور من فوق.
ولقد أتيتُ إلى هذا السرداب ومشيتُ به زحفا، لضيقه ولتطأطؤ سقفه، لا يقدر أحد على المشي منتصبا به. وهو خطوات يسيرة تنتهي إلى الفجوة المذكورة. وهي نحو أربعة أذرع في مثلها. هيأة القبور في قبلة المسجد الآن قبران: الأيمن قبر إسحاق، والأيسر قبر زوجته. وفي شماليه مما هو منفصل عن المسجد بقبتين متقابلتين قبران:
(١) حَبْرى كسكرى [انظر القاموس. وقد أورد القصة في معجم ياقوت ٢/ ١٩٥ ببعض تصحيف في الأسماء]. (زكي).